العالم السري لجواسيس أميركا في الشرق الأوسط

تم نشره في السبت 1 شباط / فبراير 2014. 03:00 صباحاً

فريدريك ديكناتيل (نيو ريببليك 6/1/2014)

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
في أيلول (سبتمبر)1947، في اليوم الذي تأسست فيه رسمياً وكالة الاستخبارات المركزية في واشنطن العاصمة، سافر اثنان من أحفاد تيدي روزفلت، آرشي وكيم، بالسيارة من بيروت عبر الجبال اللبنانية إلى دمشق، من أجل الالتقاء بجاسوس زميل اسمه مايلز كوبلاند. كان آرشي (29 عاماً)، هو رئيس أول محطة لوكالة الاستخبارات المركزية في بيروت؛ وكان كوبلاند،31عاماً، هو رجل تلك المحطة في دمشق. أما كيم (أو كيرميت الابن، الذي كان والده الذي يحمل الاسم نفسه قد حلّق في جميع أنحاء الشرق الأوسط مثل ت.إي.لورنس أثناء الحرب العالمية الأولى)، فسوف يصبح في العام 1949، في سن 33، رئيس العمليات السرية لوكالة الاستخبارات المركزية في المنطقة. أما الآن، فهو يسافر، اسمياً، كمواطن عادي، يعمل على تأليف كتاب تستند مادته إلى تجربة إرساله إلى القاهرة خلال الحرب العالمية الثانية للعمل في مكتب الخدمات الاستراتيجية، سلف وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه).
في غضون عامين، سوف يساعد كوبلاند في هندسة أول انقلاب عسكري في العالم العربي: الانقلاب الأبيض غير الدموي في العام   1949 للمشير حسني الزعيم في سورية. أما إلى أي درجة أسهم في الانقلاب، فذلك يبقى موضوع نقاش، بما في ذلك ما تبجح به كوبلاند نفسه، ثم تراجع عنه في مذكراته في وقت لاحق. وسوف يحاول آرشي –ويفشل- هندسة إطاحة عسكرية أخرى في سورية في العام 1957، بعد سلسلة من الانقلابات والانقلابات المضادة في دمشق. (لم يدم حكم الزعيم سوى بضعة أشهر قبل أن يطيح به ويعدمه ضابط منافس). لكن اجتماع العام 1947، مثل حال عمل رجالات (سي آي إيه) طوال سنوات في الشرق الأوسط خلال فترة إدارتي ترومان وآيزنهاور، كان مزيجاً من العمل والمتعة. وكما كتب كوبلاند في وقت لاحق، فقد بدأ آرشي وكيم عقب وصولهما إلى دمشق "جولة سياحية على القلاع الصليبية والأماكن التي لا يرتادها الكثير من الناس".
في حين أدار كيم العمليات من واشنطن، وقام برحلات دورية إلى القاهرة وبيروت وطهران، قام آرشي وكوبلاند ببناء شبكة التجسس الأميركية الوليدة في الشرق الأوسط، بمساعدة قدرتهما على التحدث باللغة العربية ومعرفة الثقافة (كان آرشي يتحدث 16 لغة)، وتوظيف سحرهما واتصالاتهما، وأحياناً، باختلاق الأمور وحسب. قد أجاب كوبلاند، خريج جامعة ألاباما الذي يعتبر نفسه "مقامر الزورق النهري من تنيسي" على اتهام من آرتشي بالقول: "ما الفرق بين فبركتي للتقارير وسماحك لعملائك بأن يفعلوا ذلك؟ على الأقل، تقاريري تظل أكثر منطقية".
كانت تلك هي حياة النخبة القليلة من المتخصصين الأميركيين في الشرق الأوسط والجواسيس في الأيام الأولى من الحرب الباردة: المؤامرة والخديعة، والشعور المهووس بالمغامرة في منطقة تنبثق خارجة من الاستعمار الأوروبي، وذاهبة إلى ما يصرون على أنه مدار أميركي أكثر سماحة، من النوع الذي وصفه المؤرخ هيو ويلفورد بأنه "الإحسان الذي بلا غرض. "فقط لو أن الأمر حدث بهذه الطريقة".
يتحدث كتاب "لعبة أميركا العظمى: المستعربون السريون لوكالة الاستخبارات المركزية وتشكيل الشرق الأوسط الحديث" عن تلك اللحظة بالتحديد، من أواخر الأربعينيات إلى أواخر الخمسينيات، عندما كانت الولايات المتحدة قوة مبتدئة في المنطقة أكثر من كونها القوة المهيمنة عليها. ويؤكد كتاب ويلفورد – وهو سيرة ذاتية تتكون من ثلاثة أجزاء للرجلين من عائلة روزفيلت والثالث من عائلة كوبلاند- على الآمال العالية، وإنما المغالطات والعيوب التي خالطت تدخل الأميركيين في المنطقة. ويركز الكتاب على كيم، وآرشي، وعلى الجذور الارستقراطية المتأسسة في الساحل الشرقي للولايات  المتحدة لجواسيس آخرين، بما في ذلك نشأتهم في غروتون وهارفارد، في محاولة لتفسير إحساسهم بالاستحقاق الذاتي والمسؤولية. (وصف كوبلاند نظيره في بيروت بأنه "عضو في وضع جيد ليوصف بما يعتبر نبلاً في أميركا). "كان هؤلاء يتحدثون عن عهد جديد، حتى وهم يثيرون الانقلابات المناهضة للديمقراطية، ويوفرون الرعاية للقادة العسكريين الأقوياء، ويسعون إلى تحويل الأتباع السابقين للبريطانيين والفرنسيين إلى أقطاب معادين للسوفيات باستخدام الرشاوى، و"الدبلوماسية المشفرة" والاجتماعات السرية في منتصف الليل (في كثير من الأحيان من وراء ظهر السفير المحلي ووزارة الخارجية الأميركية).
"المستعربون" هو اصطلاح يشير أصلاً إلى جيل سابق من الدبلوماسيين الأميركيين الذين ينحدر كثير منهم من المبشرين الأميركيين الذين قدموا إلى الشرق الأوسط في القرن التاسع عشر، والذين لديهم خبرة وإلفة مع العالم العربي. وقد جمع مستعربو وكالة الاستخبارات المركزية تلك العقلية الرسولية، مع نظرة إلى الشرق الأوسط دمجت الرومانسية بالإمكانية الاستراتيجية: يمكن أن يجني صعود أميركا ما بعد الحرب مكافآت إقليمية -وليس النفط فقط، وإنما، كما لاحظ آرشي، وجود علاقة لأميركا "باعتبارها صديق المسلمين الكبير غير الأناني"، حيث يصبح الإسلام "عاملاً ذا أهمية متزايدة". ثم قال آرشي في وقت لاحق في مقابلة مع محاور من مكتب الخدمات الاستراتيجية: "باعتباري مستشرقاً طامحاً، لدي بطبيعة الحال بعض التعاطف مع العرب".
كان ذلك التعاطف هو الذي شكل معارضة الأميركيين للصهيونية والحديث عن الاحترام المتبادل مع العالم العربي. لكن الجواسيس بدوا في كثير من الأحيان أشبه ببطل رواية غراهام غرين "الأميركي الهادئ". بل ان كيم فيلبي، العميل البريطاني السوفياتي المزدوج، ادعى بأن كيم روزفلت الذي كان على تعارف معه، هو الذي كان مصدر الإلهام لشخصية غرين، بوصفه شخصاً "شرقياً مهذباً، معسول الكلام، ذا صلات اجتماعية لا تشوبها شائبة...آخر شخص يمكن أن تتوقع أن يكون غارقاً حتى عنقه في الحيل القذرة". ويشمل ذلك تورط كيم سيئ السمعة في الانقلاب البريطاني-الأميركي المشترك في إيران في العام 1953، المعروف باسم عملية أياكس، للإطاحة برئيس الوزراء المنتخب ديمقراطياً، محمد مصدق، وإعادة تنصيب الشاه الشاب محمد رضا بهلوي، بعد أن قام مصدق بتأميم صناعة النفط الايرانية.
من المرجح أن كيم بالغ في تصوير دوره الخاص في عملية أياكس. وفي جلسات حديث خاصة وكتاب، وصف الأمور بشيء أقرب إلى شخصية كيم في رواية روديارد كبلنغ، وهوكتاب كان مفضلاً لديه منذ طفولته.وإذا وضعنا أمر إغواء المغامرة جانباً، كان الانقلاب تركة سامة للعلاقات الأميركية الإيرانية، لأنه ساعد على وضع الأساس لتسلط الشاه المقيم الذي أدى إلى الثورة الإسلامية.
يقارن ويلفورد بين الآمال التي أعرب عنهاالجواسيس والقوميون العرب الشباب في القاهرة ودمشق بخلق نوع جديدمن علاقةالسلطة، وبين واقع الطموح الأميركي، والخداع،والتخبط. وقد تكشفت هذه الدراما أكثرمايكون في القاهرة،حيث دعم كيم ومحطة وكالة الاستخبارات المركزية أولاً الضباط الأحرارالذين أطاحوا بالملك فاروق في العام 1952،  وخصوصاً زعيمهم الشاب جمال عبدالناصر. ويلاحظ ويلفورد أن الأمر بلغ بأحد العملاءالمحليين حد كتابة سلسلة من الأوراق عن النظرية السياسية الغربية، والعمل على ترجمتها إلى اللغة العربية ليقوم بتوزيعها على مجلس قيادة ثورة عبدالناصر. وسوف يقوم كوبلاند، الذي كان يتواجد في ذلك الوقت في القاهرة متخفياً ليتشاورمع بوز وألين،وهاميلتون، باستضافة ناصرعلناًفي فيلته في ضاحية المعادي القاهرية الراقية.
لكن شهرالعسل انتهى بحلول أواسط الخمسينيات، عندمارفض الأميركيون طلبات ناصرالمستمرة للمساعدة الإنمائية لمصر،بما في ذلك الأسلحة، وفشلوا في شرائها بحقيبة فيها 3 ملايين دولارنقداً. ولأنه ووجه برفض واشنطن، وشعر بالإساءة والغضب من محاولة رشوته، وكان غير راغب في الانضمام إلى اتفاقيةأمنية إقليمية معادية للسوفيات ومدعومة من  بريطانيا، ألقى ناصربحصته في حركة عدم الانحياز، ثم قام بتأمين الأسلحة من موسكومن خلال تشيكوسلوفاكيا.وفي العام 1956 قام بتأميم قناة السويس، مما استدعى الغزو البريطاني الفرنسي الإسرائيلي المشترك، والذي تم نزع فتيله فقط من خلال الضغوط الأميركية. وقدحول ناصر الهزيمة العسكرية إلى نصرسياسي، وقفزإلى مكانة بطل مرحلة مابعد الاستعمارفي العالم العربي.
من المستغرب أن ويلفورد لايملك إلا القليل ليقوله عن ذلك الحدث المحوري الذي شكله صعود عبدالناصرفي  الخمسينيات، وهويلخص حتى تأميم قناة السويس باختزاله في اعتباره ضمن "أحداث ذات شهرة عالمية".  ويبدو الحذف أكثروضوحاً بالنظر إلى  اهتمامه المفرط بالمسارات التاريخية الجانبية، مثل دعم وتمويل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لمجموعة "أصدقاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، "وهي مجموعة من المواطنين الذين حاولوا تحويل الرأي العام الأميركي بعيداً عن إسرائيل باتجاه العرب في الخمسينييات، مع أنه كان من الملحوظ تماماً أن وكالة الاستخبارات المركزية ساعدت في ترويج الدعاية المناهضة  للصهيونية في أوساط الجمهورالأميركي في الخمسينيات، وهو، كما يقول كيم، مشروع رعاه الأشخاص الأكثر مناهضة للصهيونية في وكالة الاستخبارات المركزية، بقيادة كيم. ولم تصل مجموعة "الأصدقاء" إلى أي مكان وأسهمت في تشكيل القليل من السياسة، أو أنها لم تشكل أياً منها على الإطلاق، قبل أن تنحسرفي العام1967.
بدلاً من تحويل علاقات القوة في الشرق الأوسط، قامت تلك الزمرة من الجواسيس بتحويل الولايات المتحدة إلى القوة التالية المكروهة، أو حتى الملعونة في منطقة شهدت وعرفت الكثير. وقال ناصر لكوبلاند في العام 1957: "إن عبقريتكم أنتم الأميركيون هي أنكم لا تقومون بتحركات حمقاء واضحة جداً، وإنما بتحركات حمقاء بالغة التعقيد". وقد أفضت رغبة عنيدة في السعي إلى تغيير النظام في سورية من خلال الرجال الأقوياء مع القليل من قاعدة الدعم المحلي، إلى الدفع بالبلد أقرب إلى موسكو، وليس أبعد عنها، وقادت إلى هيمنة حزب البعث، بإيحاءات معاصرة. وكما يكتب ويلفورد: "بعض التصريحات الأخيرة حول افتقار وكالة الاستخبارات المركزية إلى الأصول في سورية يمكن إحالتها بسهولة وراء إلى صيف العام 1957".
مع كل رفضهم للمواقف الاستشراقية إزاء المنطقة، والتي تبناها نظراؤهم البريطانيون، لم يبد هؤلاء الجواسيس الأميركيون دائماً مختلفين. وقد وصف آرشي إرساله في زمن الحرب إلى شمال أفريقيا بأنه "مثل اليانكي في كونيتيكت، وقد انتقلوا إلى قرن سابق أكثر هدوءاً". كانت إخفاقاتهم كثيرة، من ازدواجية الحديث إلى الوعد الكاذب بالشهامة في كيفية تعامل واشنطن مع الشرق الأوسط. لكنهم جمعوا أيضاً بين المكر والسذاجة؛ كانوا "أميركيين هادئين" على  نمط بطل غرين. بينما كان في طريقه الى طهران في تموز (يوليو) 1953 من أجل الإطاحة بمصدق، تذكركيم ماكان قد كتبه والده عن رحلةصيد أفريقية قام بها مع جده، تيدي روزفلت: "كانت مغامرة رائعة، وكان كل العالم فتياً!"

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:The Secret World of American Spies in the Middle East

ala.zeineh@alghad.jo

alaeddin1963@

التعليق