التنمية المستدامة مسؤولية تشاركية

تم نشره في الأحد 2 شباط / فبراير 2014. 03:12 صباحاً

أ.د.غسان الطالب*

 

يكثر الحديث عن التنمية المستدامة في المؤتمرات والندوات وورش العمل وحتى في الأبحاث والدراسات لما لهذا الموضوع من أهمية اقتصادية واجتماعية، تأتي من حاجة مجتمعاتنا للمشاريع التنموية الضرورية والتي تمثل ركيزة ولبنة قوية لمستقبل اقتصادنا، وفي مقالنا الذي نشر بتاريخ 20/10/2013 في جريدة "الغد"، تحدثنا عن "التمويل الأصغر الإسلامي طريق للتنمية المستدامة"، أشرنا فيه إلى أهمية هذا النوع من التمويل والدور الذي يمكن أن تضطلع به مصارفنا الإسلامية، بما ينسجم مع أهدافها ورسالتها الأخلاقية المستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية ومسؤوليتها الاجتماعية؛ إذ إن التنمية المستدامة هي هدف تسعى إليه الفلسفة الاقتصادية الإسلامية لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه مجتمعاتنا العربية والإسلامية، والتي هي أكثر ما تكون بحاجة إلى هذا النمط من التنمية بسبب ارتفاع معدلات البطالة والفقر وغياب الاستراتيجيات التنموية التي تنظر إلى المستقبل والموازنة بين ما نملك من موارد وما نحتاج إليه من استهلاك، فظهر عندنا الاستغلال الجائر وغير المتوازن للمتاح لنا منها، إضافة إلى السلوكيات والممارسات التي ألحقت الضرر البالغ في البيئة ومكوناتها من حولنا.

إذن المفهوم الإسلامي للتنمية المستدامة هو إيجاد حالة من التوازن بين حاجات التنمية بشقيها الاقتصادي والاجتماعي من جانب، ومن جانب آخر الالتزام بالسلوك الأخلاقي في التعامل مع البيئة وما توفره لنا من موارد؛ حيث نرى في القرآن الكريم العديد من الآيات القرآنية التي تؤكد ذلك ومنها قوله تعالى (كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) سورة البقرة الآية 60، وقوله أيضا (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) سورة البقرة الآية 30، وهنا الدلالة واضحة من الآية الكريمة، وهي أن الإنسان مستخلف في الأرض ومتصرف بما وهبه الله من موارد ونعم، إذ عليه بالاستثمار للاستفادة من كل ما هو متاح له، لهذا فإن التنمية الاقتصادية والاجتماعية حسب هذا المفهوم هي واجب ديني وأخلاقي وله بعد حضاري مرتبط بطبيعة التصرف المناط بالإنسان وبما يضمن حياة أفضل للناس واستمرار لمكونات الحياة ومتطلباتها، إذن فالتنمية المستدامة عملية مستمرة ولا تتوقف عند إنجازها بل تنظر إلى حاجة الأجيال المقبلة وتلبي مستلزمات حياتهم مع استمرار التطوير والتجديد والابتكار حتى تؤدي رسالتها الحضارية في الإعمار والنماء.

لهذا فإننا ننتظر من المصرفية الإسلامية ومن منطلق مسؤوليتها الاقتصادية والاجتماعية، أن تقوم بهذه المهمة وهي المؤهلة والقادرة عليها وأينما وجدت في مجتمعاتها من خلال جمع مدخرات المجتمع وإعادة توظيفها ضمن برامج التنمية المنشودة، وهي التي تلعب دور الوسيط المالي والمستثمر معا وتمتلك من السيولة والأصول ما يكفي لهذا الدور، إضافة إلى القيم الأخلاقية التي ترتكز عليها والشريعة الإسلامية التي تحكم مبادئها، فهذا من شأنه أن يحقق لها أسواقا اقتصادية أفضل وفرص استثمار وتوظيف للأموال المتوفرة لديها.

ومع القناعة الكاملة بأن المصارف الإسلامية لا تتحمل وحدها هذا العبء الاقتصادي، بل يتوجب على أصحاب القرار الاقتصادي كذلك أن يظهروا المرونة الكافية أمام هذا القطاع من خلال وضوح في القوانين والتشريعات التي تحكم أداءها والعمل معها لمواجهة التحديات التي تعترضها، وكذلك تبني استراتيجيات للخطط التنموية المطلوبة ومستلزماتها القانونية والتشريعية، وهي مسؤولية تشاركية لا نلقي بعبئها على المصارف الإسلامية وحدها، لكننا ننظر إلى الدور الذي يعكس رسالتها الأخلاقية ومسؤوليتها الاجتماعية تجاه المجتمع.

 

*باحث ومتخصص في التمويل الإسلامي

التعليق