الديمقراطية ولعنة الموارد الطبيعية: درسان مستوحيان من "الربيع العربي"

تم نشره في الاثنين 10 شباط / فبراير 2014. 03:00 صباحاً

لهب عطا عبدالوهاب*

 

عمان - يذهب البعض إلى أن هناك علاقة "جدلية" تحكم الديمقراطية من جهة، والموارد الطبيعية من جهة أخرى، ويزعم هؤلاء أن هناك تناسبا عكسيا بين هذين المتغيرين؛ إذ تشير بعض الشواهد التاريخية إلى أن الدول الغنية بمواردها الطبيعية؛ كالنفط والغاز، تحتل فيها "الديمقراطية" درجات أدنى مقارنة بالدول شحيحة الموارد، وهو ما ذهبت إليه دراسة حديثة صادرة عن دورية "الفورن آفيرز" واسعة الانتشار.

خبايا النفط السرية

لم يكن النفط دائماً عائقاً أمام ولوج الديمقراطية، وحتى مطلع السبعينيات من القرن الماضي، فإن الدول المنتجة للنفط كانت أقل حظاً من بلوغ الديمقراطية شأنها شأن الدول النامية الأخرى. ويعزى ذلك، إلى أنه حتى تلك الفترة، فإن ما يعرف بـ"الأخوات السبع" وهي الشركات النفطية العملاقة التي كانت تهيمن على الصناعة النفطية للفترة الممتدة من منتصف الأربعينيات ولغاية أوائل السبعينيات من القرن الماضي وتجني حصة الأسد من العوائد.

وقد ضمت هذه المجموعة الشركات الآتية:

1. standard oil of new jersey.

2. standard oil company of new york (now exxonmobil).

3. standard oil of california.

4. gulf oil

5. texaco (now chevron).

6. royal dutch shell.

7. anglo-persian oil company (now bp).

وحتى العام 1973، فإن الأخوات السبع كانت تسيطر على أكثر من 85 % من الاحتياطات العالمية النفطية المؤكدة. إن هيمنة الشركات الأجنبية الكبرى على السوق النفطية حرمت الدول النفطية من الاستفادة من العوائد؛ إذ لم يدخل موازنتها الحكومية الا النزر اليسير. بيد أن هذا الوضع بدأ بالتغير بشكل جذري في مطلع السبعينيات من القرن الماضي لتضافر عدد من الأسباب منها:

(1) إن السيطرة المطلقة لـ"الأخوات السبع" على الصناعة النفطية بدأت بالتراجع مع ظهور شركات نفطية مستقلة مثل شركة getty oil والشركة الإيطالية الحكومية eni.

(2) إن انكفاء دور ما كان يعرف بـ"الأخوات السبع" حل محلها ما يصطلح عليه اليوم بـ"الأخوات السبع الجدد" والتي أضحت الشركات النفطية المهيمنة وفقاً لتصنيف

الـfinancial times، وهذه الشركات هي على النحو الآتي: شركة البترول الوطنية الصينية cnpc، شركة غازيروم الروسية، شركة النفط الوطنية الإيرانية، شركة بتروبراس البرازيلية، شركة النفط الوطنية الفنزويلية pdvsa، شركة بتروناس الماليزية، شركة أرامكو السعودية.

(3) الإعلان عن إنشاء منظمة الأقطار المصدرة للبترول (أوبك) في العاصمة العراقية بغداد في أيلول (سبتمبر) من العام 1969 عزز من مكانة الدول النفطية لاسيما في قدرتها التفاوضية مقابل الشركات النفطية الأجنبية التي كانت تعمل وفقاً لنظام الامتياز.

(4) إعلان الحظر النفطي العربي إبان حرب أكتوبر العام 1973 الذي أفضى إلى ما يعرف بـ"الفورة النفطية" أو ما اصطلح عليه بـ"الثروة النفطية الأولى"؛ حيث ارتفعت أسعار النفط من 2.50 دولار للبرميل العام 1972 إلى حوالي 12 دولاراً للبرميل العام 1974. وللاستفادة من الارتفاع الكبير للأسعار، شرعت غالبية الدول النفطية إلى "تأميم" الشركات النفطية الأجنبية العاملة في أراضيها لتحل محلها الشركات النفطية الوطنية التي أخدت على عاتقها إدارة الصناعة النفطية.

تداعيات تأميم الصناعة النفطية

لعل أبرز ما أفضت إليه عمليات تأميم الصناعة النفطية في الدول المنتجة هو "خلق" ثروة غير مسبوقة في هذه الدول، وهو ما اصطلح عليه بـ"البترودولار"، وقد قوبل تأميم النفط بمساندة جماهرية حاشدة في العديد من هذه الدول. كما أنها بالإضافة إلى ذلك، كانت السبب الرئيسي "وراء الشعبية الجارفة" لعدد من زعماء الدول العربية، فعلى سبيل المثال؛ فإن أولى الخطوات التي اتخذها الزعيم الليبي معمر القذافي بعد نجاح انقلابه العسكري في أيلول (سبتمبر) 1969 -الذي أطاح بالملك إدريس السنوسي- هو تأميم الصناعة النفطية، ما مكنه من "وضع اليد" على العائدات النفطية التي تم توظيفها لتمويل أجندته الثورية وإلى "شراء" ولاءات زعماء القبائل التي كان يخشى أو يشك في عدم ولائها للنظام.

وفي العراق، كان المهندس الرئيسي لعمليات تأميم النفط نائب رئيس مجلس قيادة الثورة في حينها "صدام حسين" والذي كان حتى تلك اللحظة (العام 1972) غير معروف إعلامياً على نطاق واسع، إلا أن دوره الحاسم في الاستحواذ على موجودات الشركات النفطية الأجنبية العاملة في البلاد كان "بوابته للشهرة" وفقاً لكاتب سيرته الذاتية

con coughlin, saddam: his rise and fall, harpercollins, uk, 2006.

إن عمليات التأميم جعلت من حكومات الدول المصدرة للنفط أكثر غنى وسطوة مما كانت عليه من قبل، كما مكن ذلك "الحكام" في الدول النفطية من توظيف الثروة النفطية لتمويل برامج اجتماعية لتحسين الخدمات العامة المقدمة لمواطنيها، ما جعل حكامها في منأى عن موجة الديمقراطية التي اجتاحت العالم في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي والتي أطاحت بالعديد من النظم، لاسيما في الدول الشيوعية السائرة في فلك الاتحاد السوفييتي السابق (رومانيا وألمانيا الشرقية والمجر وبولندا).

إلى ذلك، فإن استحواذ حكومات الدول النفطية على العائدات البترولية مكن النظم السلطوية من الاستمرار في الحكم من خلال:

(1) إن الثروة النفطية مكنتهم من تلبية رغبات شعوبها بتوفير الخدمات المتعددة لاسيما مجانية الصحة والتعليم بدون أن يترتب على ذلك فرض الضرائب. وكما هو معلوم، فإن العلاقة بين الضرائب والتمثيل السياسي تحكمها علاقة طردية no taxation without representation؛ إذ إن فرض الضرائب من قبل الحاكم يجب أن يقابله التمثيل السياسي لمواطنيها. وبالعودة بالذاكرة التاريخية قليلاً إلى الوراء، فهناك تجارب ما تزال ماثلة في الأذهان؛ إذ تشير السجلات التاريخية إلى أن مواطني الولايات المتحدة في القرن الثامن عشر والتي كانت في ذلك الوقت مستعمرة بريطانية، ثاروا منتفضين ضد حكامهم الإنجليز احتجاجاً على فرض الضرائب المجحفة بدون أن تقابله المشاركة في الحياة السياسية؛ إذ لم يكن لهم تمثيل يذكر في البرلمان البريطاني.

وفي الدول الشرق أوسطية اليوم، يقابل حكام الدول النفطية مطالب شعوبهم بالمزيد من الانفتاح والمشاركة الشعبية في الحكم بتدابير ذات طابع مالي بزيادة الأجور والرواتب وتوسيع شبكة الضمان الاجتماعي، وخلق الوظائف ودعم السلع والخدمات بما يؤمن لسكانها -المحليين من المواطنين والوافدين فيها- متطلبات العيش الكريم؛ إذ أمر على سبيل المثال خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في شباط (فبراير) 2012، أمر بتخصيص 136 مليار دولار يتم توظيفها لزيادة الرواتب في القطاع العام وإلى تحسين المنافع الاجتماعية للعاطلين عن العمل، بالإضافة إلى بناء مساكن بأسعار مدعومة لذوي الدخل المحدود. وقد حذت الكويت حذو السعودية بإعلان مكرمة أميرية لسكانها قدرها 1000 دينار كويتي (أو ما يعادل 3600 دولار)، بالإضافة إلى صرف  المواد الغذائية الرئيسية بالمجان لمدة 14 شهراً لحاملي البطاقة التموينية، وذلك بمناسبة مرور خمسين عاماً على استقلال الكويت.

وفي المقابل، فإن الحكام في النظم الشمولية العربية غير النفطية؛ كنظام زين العابدين بن علي في تونس ونظام حسني مبارك في مصر، لم يألوا جهداً باتخاذ إجراءات مماثلة لتلك الإجراءات التي اتخذها نظراؤهم العرب في الدول النفطية، بيد أنها كانت أقل حجماً وانتشاراً وبالتالي أقل فاعلية، مما عجل في زوالهم.

(2) إن الثروة النفطية تمكن الحكام في النظم الشمولية من الإغداق على قواتها المسلحة بسخاء، ما يمكنها من شراء ولاء الجيش للسلطة الحاكمة. ونتذكر على سبيل المثال؛ ما قام به الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد من ترسية عقود بالمليارات لرجال أعمال مرتبطين بالحرس الثوري الإيراني لضمان وقوف الأخير بجانب الرئيس عندما تدلهم الخطوب.

وعلى الصعيد العالمي، تفيد البيانات المنشورة إلى أن النظم السلطوية التي تفتقر إلى الثروات النفطية تنفق في المتوسط حوالي 2 % من ناتجها المحلي الإجمالي على قواتها المسلحة مقابل 3 % من الناتج المحلي الإجمالي في الدول النفطية.

بيد أن "لعنة الموارد الطبيعية" لا تعني بالضرورة عدم إمكانية قيام نظم ديمقراطية تعددية تمثيلية في الدول ذات الموارد النفطية الغنية، ودليلنا على ذلك هو التحول نحو الديمقراطية الذي خبرته كل من إندونيسيا والمكسيك ونيجيريا في مطلع الألفية الثالثة، وهي جميعها دول منتجة للنفط. وكانت قد سبقتها إلى ذلك، فنزويلا، أكبر دولة منتجة للنفط في أميركا اللاتينية، والتي انتقلت إلى نظام ديمقراطي العام 1958.

إلى ذلك، يمكن القول إن "الربيع العربي" الذي اجتاح العديد من الدول العربية في المشرق وشمال أفريقيا، يأتي متناغماً مع التوق العالمي لبلوغ الديمقراطية، حيث الفيصل فيها هو لصناديق الاقتراع، بدلا من قرقعة السلاح التي سادت دول العالم الثالث في النصف الثاني من القرن العشرين؛ إذ لا عودة إلى الوراء، فالتغيير الديمقراطي آت لا محالة.

 

*باحث متخصص في شؤون الطاقة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المشكلة هي العقول وليس الثروات (مقداد الخطيب)

    الجمعة 14 شباط / فبراير 2014.
    اشكرك سيدي الفاضل على هذه الاطلالة الجميلة والرائعة على موضوع محوري يهم المنطقة ومستقبلها. يبقى الجدل، كما كان دائما،،،،، متى تتوفر العقول المناسبة لادارة الثروات المتيسرة؟
    وفقكم الله وادامكم.
  • »أفكار وآمال حول التغير الديمقراطي (حاتم بن عرفة)

    الاثنين 10 شباط / فبراير 2014.
    مرة اخرى يقدم الاستاذ لهب تحليلا مهما وموجزا في ان واحد
    استعراضه لا لأوضاع الديمقراطية في الدول النفطية يمتاز بالدقة والجرأة ويحمل في طياته أملا بالمستقبل
    فشكرا جزيلا للأستاذ الفاضل على هذا المجهود النبيل