موفق ملكاوي

"الحياة هي في مكان آخر"

تم نشره في الخميس 13 شباط / فبراير 2014. 12:03 صباحاً

لم يخطئ العزيز ميلان كونديرا، حين حشد جميع الشواهد لنتأكد بيقين أن الحياة التي نسعى إليها، لن تكون هي نفسها التي نحياها.
الفكرة تتمحور حول ظلّ خفيّ، وواقع قائم، وبين الحياتين تخضرُّ أمنيات، وتتبرعم أحلام نوشك أن نتوهم أنها في طريقها إلى الكينونة الكاملة.
الحسرة نفسها عبّر عنها غالب هلسا، حين اكتشف أن مشاريع الكاتب ستبقى مؤجلة، وأن القرارات التي يراكمها في باب المشاريع المقبلة، هي ما ستكون عليه حياته فقط؛ أي حياة مؤجلة. والمحبط، أن الانسان يكتشف الأمر، دائما، متأخرا.
أجل "الحياة هي في مكان آخر"، تبعا لتأكيدات كونديرا، ولكنها أيضا، حياة متخيلة، نهرب إليها من حطام حياتنا القائمة، رغبة في تقصي خيارات غير متاحة واجتراح مسارات محببة.
في اشتباك الإنسان مع الحياة، يبدأ بفهرسة فشله المتكرر على شكل قوائم يخضعها للتمحيص العاطفي، لا العقلي، ويبني عليها لحياة مقبلة، لن تكون شبيهة بما لديه.
إنها حياة موازية، ومتعارضة مع فكرة "الأكوان الموازية" المتحيزة في الكون الواسع، والمتماثلة مع ما هو قائم على الكرة الأرضية، بل هي النقيض لما هو قائم، والهروب منه تماما.
حياة موازية نضع فيها جميع أخطائنا جانبا، ونبنيها من غير عيوب أو شوائب، وغالبا ما تقترب من المثالية التي نطلبها، حسب قناعاتنا وأفكارنا.
في الأعماق، أن  رزوحنا تحت أثقال المسؤوليات العديدة، وتقلبات الحياة بين السخط والرضا، وبين النجاح والفشل، يجعلنا نشعر برغبة حقيقية دائمة لأن نحقق استتبابا معيشيا معينا، نحاول البحث عنه في الذاكرة، وفي إحالته إلى قرارات مؤجلة تحت بند طائلة المعجزات، تحقق معها تلك الحياة.
الشعور بالحنين إلى حياة أخرى، أو الاغتراب، ليس خيارا، بل هو اتساق مع بنية نفسية معينة، تعززه تجارب مؤلمة، ومحطات فشل، وعدم ثقة بالآخرين، وغياب تقبل الجديد، ما يؤدي بالتالي إلى وضع النفس في مرتبة أدنى مما هي فيه بالحقيقة، الأمر الذي يعود إلى تعزيز الحياة الموازية المؤجلة التي نضع فيها جميع نواقصنا الحالية، والتي غالبا لا تأتي.
لكن العقل الإنساني يستقصي الشقاء والألم من خلال معرفته الحتمية باستحالة تحقيق تلك الحيوات، ورغم ذلك فإنه يبقى متشبثا بالفراغ في موازاة الحياة، ويصر على أن يحقق ذاته المُتَوَهَّمَة بواسطة أفكار متصورة عن حياة لا بد أن تكون.
إن البشر الذين تواطأت شفاهيتهم الجمعية المتوارثة لآلاف السنين على إلباس الملاحم والخرافات لبوس التاريخ والحقيقة، قادرون، فرادى، على نظم حياة من الوهم تتبدى كما لو أنها حقيقة ستتمظهر قريبا.

 

mwaffaq001@

التعليق