طاهر المصري يكتب: على ماذا نختلف؟

تم نشره في الخميس 13 شباط / فبراير 2014. 05:30 مـساءً - آخر تعديل في الخميس 13 شباط / فبراير 2014. 05:54 مـساءً

طاهر المصري *

يُثير الدهشة والاستغراب معاً، ذلك التجاذب السياسي الدائر بين بعض السياسيين والاعلاميين في بلدنا، حول ما يتسرب من معلومات أو اجتهادات أو تحليلات ذات صلة بما يسمى ( خطة كيري للسلام ). وأدى ذلك إلى تجاذب ينطوي على حالة من الاستقطاب والتحشيد والتحريض والتكهنات وإثارة التنازع بين أبناء ومواطني البلد الواحد. ويتم ذلك في وقت عصيب للغاية نحن أحوج ما نكون فيه إلى تعظيم التماسك الاجتماعي والبحث عن القواسم المشتركة وليس الفوارق المشتركة، وتعزيز مقومات وحدتنا الوطنية في مواجهة اخطار جسيمة تتهددنا جميعاً ولن تستثني أحداً منا.
مصدر الدهشة والاستغراب هذا الذي يخالط ذهنية سائر العقلاء ومدعي الحكمة، أن هذا التجاذب غير المحمود يأتي في وقت ترشح فيه تسريبات عن أفكار وخطط قد تؤدي إلى تصفية، وليس حل، القضية الفلسطينية في زمن عربي صعب عنوانه الضعف والهوان، وزمن أردني صعب كذلك عنوانه حالة استعصاء اقتصادي وسياسي تفرز أوضاعاً اجتماعية صعبة ومعقدة للغاية جراء الفقر والبطالة والغلاء، وجراء عدم تلمس المواطن لوجود تغيير يذكر على حياته المعيشية أو المالية أو السياسية. ليس أقلها ما نشاهده من العنف المجتمعي والجامعي، وما يثار باستمرار عن مدى احترام هيبة الدولة وقدرتها على تنفيذ الخطط والبرامج الكفيلة بإخراج البلد من هذا الواقع. واختلت أسس ومفاهيم عديدة في الإدارة العامة والتعليم بشقيه، وعادت الظروف المالية المختلة والصعبة إلى سابق عهدها، ليس بسبب الوضع المالي العالمي وحسب، ولكن لاسباب تتعلق بسوء الادارة . وتَرَاَجَع مفهوم الدولة، لصالح انتماءات وهويات فرعية صغيرة تعتمد على صلة الدم أكثر ما ترتبط بالمفهوم العام للانتماء للوطن. وأدى ذلك الاستعصاء إلى تغيير سلبي على المجتمع والفرد، وهو يؤدي إلى تشرذم وتشظي لمجتمعنا الذي يجب أن يبقى مثالاً وقدوة تحتذى في مجتمعنا العربي الأوسع.
ومصدر الدهشة والاستغراب كذلك، هو التساؤل المشروع عن حقيقة أن هذا التجاذب الخطير لا يمكن فهمه بغير أنه يؤدي إلى نقل الخلاف والتنازع إلى الداخل الأردني حول أفكار وتسريبات يُفترض أن الاردنيين جميعاً، ومن كل المشارب والاطياف، مجمعون سراً وعلناً على رفضها والوقوف في مواجهتها، خاصة أن الجميع يشعر بأن فيها (فرصة) للأعداء لتصفية القضية الفلسطينية (وليس حلها)، والالتفاف على الحقوق التاريخية الثابتة للشعب الفلسطيني في وطنه، وتهديداً للاردن ولأمنه وسلامته وهويته الوطنية الراسخة، في ظل الحديث المتكرر عما يسمى بالوطن البديل ومن تطلعات عدوانية لا وجود لها الا في الذهنية الاسرائيلية.
وعلى خلاف ما يجري من تجاذب ضار يمارسه بعضنا هذا الأوان، فأنا أعتقد جازماً أن الواجب وطنياً وقومياً وإنسانياً وحتى أخلاقياً، يتطلب منا تفويت الفرصة على العدو المشترك لزرع الفتنة والفرقة والطائفية والتعصب، إزاء أمر خطير لا خلاف بيننا أبداً على رفضه جملة وتفصيلاً. فإذا لم نتمكن نحن المواطنين الشرفاء الواعين والأحزاب والمجتمع المدني والوطنيين الأحرار من الوقوف صفاً واحداً متماسكاً إزاء هذا الخطر ونحن متفقون على رفضه،  فإننا بذلك نكون قد فرّطنا بأمننا واستقلالنا وفرطنا بمستقبل أبنائنا. يجب على كل هذه المجاميع الرسمية والأهلية والمدنية وكل نخب الاردن أن تتفهم جيداً أن المروّج لهذه الأفكار هي مصادر معادية خبيثة همها النخر في عظم المجتمع الاردني وتهيئة الفرص والأرضية لإحداث الشرخ وشق الصف ثم الاقتتال بين الأهل وأبناء الوطن. فهم يريدون أن يلحقوا الوطن الأردني بدول السوار الملتهب حولنا لتكتمل حلقة العنف والدمار والانقسام في الأمة العربية.
لذا فإنها أيام تاريخية ومصيرية في حياة الوطن الأردني والقضية الفلسطينية. فدعونا لا نجعل النوازع والعصبيات أو الاحباط او الخلاف يقف في طريق تصدينا لهدا المد القادم علينا. وعلى أصحاب القرار في مختلف مراتبه الدعوة والعمل معاً على وقف هذا التجاذب او الانقسام والتشرذم الدائر بين بعض الأفراد والأطراف والقوى. وإلا، فلن يكون بمقدورنا إن نحن استسلمنا او ضعفنا أمامها، أن نواجهها بما تستحق من إصرار على حتمية أن تقوم الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، هناك على الأرض الفلسطينية، وأن يتجسد حق العودة للاجئيين باعتباره حقا لا مساومة ولا تهاون ولا تفريط فيه. وأن يدرك العالم كله أن الاردن ليس وطناً بديلاً لأحد، ولن يكون. وأن هويتنا الوطنية الأردنية ليست أمراً قابلاً للنقض أو الانتقاص. وأن وحدتنا الوطنية على قاعدة التشارك في الهدف والمصير، حالة صلبة مستقرة لا مجال للمساس بها من جانب أي كان.  كلنا متفقون على ذلك، إذن على ماذا نحن مختلفون؟
إن من الضرورة بمكان، أن تجلس القوى السياسية الأردنية كافة، لتتحاور وتتبادل الرأي والمشورة بكل وضوح وموضوعية حول ما يتهدد وطننا من أخطار تؤدي إلى التشرذم وتهديد السلم الاهلي، وصولاً إلى تجلية موقف واضح محدد منها، وبصورة تغلق كل الأبواب والنوافذ أمام كل أسباب ومحاولات الفرقة والتشرذم وإثارة نوازع الفتن. وتلك مهمة غاية في الأهمية ونبل الهدف، لا أن تترك ساحات وفضاءات الوطن نهباً للاشاعات والتسريبات والاجتهادات المبينة على الهواجس أو نقص في المعلومات وتشويهها، أو تلك المتولدة عند البعض بغير وعي للمفاصل التاريخية في حياة الأردن وفلسطين وفي امتزاج الدم، أو حتى تلك التي تتجاهل أنْ لا تناقض أبداً بين الهوية الأردنية الوطنية هنا على الأرض الأردنية، والهوية الفلسطينية هناك على الأرض الفلسطينية. وأن التاريخ النضالي للشعبين متداخل ومتماسك.
إنها دعوة صادقة هدفها التمسك باستقلال الأردن والمحافظة على هويته وإبقائه حراً أبياً عصياً على الاختراق والمخططات الظالمة كما هي دعوة هدفها أن تعود فلسطين شقيقة الأردن حرة أبية محررة.


* رئيس الوزراء الأسبق

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ردا على كل مشكك (د جمال التميمي)

    الجمعة 14 شباط / فبراير 2014.
    آثرت ان لا أعلق لكنني وجدت لزاما انه لابد من التعليق لاطرح التساؤل واجيب على الاستفهام
    فدعوة دولته لبناء دولة يكون مواطنوها منصهرون بهوية واحدة جامعة بعيدة عن الهويات الفرعية هي الدولة القادرة على الاستمرار هذا الكلام لايختلف عليه عاقلان ونقولها بكل صراحة ووضوح ان الوطن اكبر من العشيرة والقبيلة والاسرة فهو الجامع المشترك ومن يقول غير ذلك بحاجة لان يعيد التفكير في ابجديات العمل السياسي
  • »مبادرة كيري (هاني سعيد)

    الخميس 13 شباط / فبراير 2014.
    لم تطرح مبادرة كيري سوى اطار لمفاوضات وليس لمفاوضات جادة وهي تصب في خانة كل المبادرات السابقة ، فاذا كان هذا الحال فكيف اذا بدأ الجد والحل ربنا يستر !!!
  • »نعم للوحدة الوطنية (esamrj)

    الخميس 13 شباط / فبراير 2014.
    دعوة كريمة من سياسي أصيل في وقت صعب نأمل أن تلامس أسماع كل غيور على الأردن وفلسطين أيضا.
  • »لله درك ماأروعك (د جمال التميمي)

    الخميس 13 شباط / فبراير 2014.
    مقال في غاية الاهمية وفي وقته قد جاء نخجل حقيقة من الثناء على شخصكم فمنكم اجيال تتعلم الكبرياء ومنكم ينهل بعض الساسة كيف يكون الوفاء .
    كل التحية فقد تناولت مفاصلا هامة تلامس واقع نعتاشه فبورك القلم وطَهُر المداد
  • »ابدعت و اصبت (د نواف شطناوي ال حامد)

    الخميس 13 شباط / فبراير 2014.
    لا شك ان اية دعوة للتفرقة و التلاوم و التحريض ضد مكونات الشعب الاردني, هي دعوة مشبوه, كما ان دعاة التوطين و التجنيس بخبث يحاولون تحت مبررات انسانية او قومية او دينية تصفية القضية الفلسطينية , خدمة لحل مشكلة الكيان الصهيوني الديمقرافية, و تبرءة العدو من تبعات اغتصابه و تشريد الشعب الفلسطيني و تحويل الصراع من من حقوق على ارض فلسطين الى حقوق على ارض الاردن, و لا ننسى تجار بطاقات اللاجئين و حقوقها, و لا ننسى اولائك السماسرة الذين يحلمون بالثروة على حساب معاناة الشعوب, كلنا في خندق واحد نفرض يهودية الدولة , نرفض التهجير, نرفض التوطين نرفض التجنيس, و نعمل معا لكي يصبح رفضنا يملك القدرة على المنع و الكبح, اما اولائك مروجوا الفتن و المازمون لخدمة مخططات الاعداء فان وعي شعبنا اكبر منهم و لن يبلغوا ما قبضوا من اجله
  • »نعم الكلام والرأي (د. خالد ابو خضره)

    الخميس 13 شباط / فبراير 2014.
    صح لسانك فالكلام الحكيم والصادق النابع من القلب يأتي من الرجال في الأوقات الصعبه فعلى ماذا نختلف ونحن احوج ما نكون الى التوحد والتكاتف والتعاضد لمواجهة هذه الأخطار التي ذكرت
  • »كل التقدير للنخب وعقلاء الامة (ابو هاشم)

    الخميس 13 شباط / فبراير 2014.
    عقلاء الامة هم أول من يستشعر بخطر الفتنة ، و بذلك فكل الحب والتقدير لدولة طاهر المصري على هذا المقال واذي يحث على التمسك بالعقلانية وعدم الانجراف نحو الانقسام والتشرذم والذي يدور بين بعض الأفراد والأطراف والقوى حالياَ.
  • »تساؤل (مواطن)

    الخميس 13 شباط / فبراير 2014.
    هل من حياة لمن تنادي ؟
  • »وحدتنا الوطنية (ابو مجدي الطعامنه)

    الخميس 13 شباط / فبراير 2014.
    نتمنى لو كل ما يدعو اليه الحكماء كذات دولة المصري ، يصل الى الأذهان المشتتة والنفوس المتشظية بفعل التباين والتخالف فيما يثار هنا وهناك من إشاعات ، نخشى ان تتحول الى سعير نتحرق بناره الأهبة .
    لعل الضبابية التي تلف هذه الإخبار وعدم الكشف عن حقيقتها في غاية من الوضوح والمصارحة تفيد الناس كثيراً من تصنع هذا التعتيم الذي يولد الريبة وعدم الثقة .
    اللحمة الإنسانية والبشرية التي تجمع الشعب الأردني بكل أطيافه تتأنى كثيراً من كل ما نسمعه من تخريب وتشويه للحقيقة ، وحتى تطمئن النفوس نتمنى على الإعلام بعامته الرسمية والخاصة ان يطلعوا على حقيقة ما يجري يوماً بعد يوم ،مع كل الثقة بقيادتنا الرشيدة التي كان همها دائماً وحدتنا الوطنية دائمة مقدسة والى الأبد .
  • »دام عزك ياوطن بإذن الله (وسام)

    الخميس 13 شباط / فبراير 2014.
    شكركبير للسيد طاهر المصري فعلا يجب الحذر والخوف يجب التكاتف في وجه التحديات ونكون شعب واحد كما كنا دائما .
  • »اسأل الحمارنة (اردني)

    الخميس 13 شباط / فبراير 2014.
    للاسف معاليك تحاول ان تقول لنا انه لا يجب ان يكون دفاع النواب و الشعب عن الهوية الاردنية بهذا الشكل وتعتبره غير مبرر في هذا الوقت و ترى انه يشق الصف و ينشر البغض و الشقاق , هل يمكن لك ان تحدد لنا ما هو الوقت المناسب لفتح هكذا مواضيع؟؟

    لقد عمدت الاساءة الى العشائر يا سيدي بطريقة غير مباشرة و متلوية في عبارتك "تَرَاَجَع مفهوم الدولة، لصالح انتماءات وهويات فرعية صغيرة تعتمد على صلة الدم أكثر ما ترتبط بالمفهوم العام للانتماء للوطن" , فهل العشائر التي بنت الاردن لا تعرف الانتماء للوطن ام ان الحمارنة الذي غيبته بمقالك و لو بتلميح ينقد او يستنكر تطاوله على العشائر .

    لقد تأكدت اخيرا من ان "الدولة البديلة" بنيت بثبات!
  • »تعليق (عربي موجوع)

    الخميس 13 شباط / فبراير 2014.
    دولة الرئيس ابو نشأت، لك كل الإجلال والتقدير فأنا من المعجبين كثيرا بشخصك وفكرك. الطرح أعلاه حق وحكمة. لكنك تعلم اكثر من الآخرين ان التنوع في الأردن ليس بالضرورة مصدر قوة على عكس المألوف في المجتمعات الأخرى. كما أن طريقة تصنيف المواطنين السائدة في الأردن لا تقود سوى الى طرق مسدودة.
    أتمنى ان يثمر مقالك المهم هذا وإن كنت غير متفائل. هو على الأقل يقع تحت خانة "اللهم إني قد بلغت"