استغفارنا بحاجة إلى استغفار

تم نشره في الجمعة 14 شباط / فبراير 2014. 01:00 صباحاً

محمد المجالي*

لا أظن أننا في زمن أقسى مما نحن فيه من حيث حاجتنا إلى رحمة الله تعالى، فالأرض جافة، والقلوب قاسية، والبركة منزوعة، والاعتداء على بعضنا موجود، والظلم مؤكد، ومظاهر الفسق والفجور أكثر من أن تحصى، وشرع الله مؤخَّر، والنفاق في ازدياد. ومع ذلك فهناك بقية تنهى عن الفحشاء والمنكر وتأمر بالمعروف وتدعو إلى الله، صالحة مصلحة، لعل بسبب وجودها رفع الله العذاب عنا جميعا، وهذا مصداق قول الله تعالى: "وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون".
مر شهران من فصل الشتاء بلا أمطار، وكثير من الناس غير مبال بما يجري، ولا يهمه إلا يومه، ولا يشعر مع أهل الزراعة ومربي الماشية، ولا يشعر مع نفسه هو من حيث توفر مياه الشرب في قابل الأيام،، فالإنسان الذي لا يفكر إلا في عاجل أمر نفسه أحمق، وهكذا هو مجتمع الشهوات والملذات، هو خطر على نفسه قبل أن يكون خطرا على أي شيء، وعجيب أمر مجتمع ينتفض من أجل التدخين والأرجيلة، ولا ينتفض لأجل معالي الأمور من أخلاق وحشمة، بل من أجل شرع الله الذي لو طُبِّق فيكفينا فيه قول حبيبنا صلى الله عليه وسلم: "إقامة حد من حدود الله خير من أن يُمطَر الناس أربعين صباحا".
لقد قال الله على لسان نوح عليه السلام: "فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا"، وهي فوائد الاستغفار كما بينها الله تعالى، والاستغفار هنا هو التحلل من الذنوب عموما، فيدخل فيه معنى التوبة، إذ يقول العلماء بأن الذنوب مقسمة إلى كبائر وصغائر، والكبائر لا يجوز في حقها إلا التوبة بشروطها، حيث الندم على ما مضى، والإقلاع عن الذنب في الحاضر، والعزم على عدم الرجوع إليه في المستقبل، ورد الحقوق إلى أصحابها إن وجدت، أما الاستغفار فهو لصغائر الذنوب، ولكن ما هو الفيصل بين الصغيرة والكبيرة، فقد بين العلماء أن الكبيرة هي كل ما توعد الله عليه عذابا ولعنا وخلودا في النار، وذكروا كذلك الإصرار على الصغيرة والاستهزاء بالذنب ولو كان صغيرا.
ولما كان كل ابن آدم خطّاء، كان لزاما علينا أن نتفقد أنفسنا في علاقتنا بالله تعالى، وهو لا يحتاجنا بل نحن الذين في حاجته، وسبحانه حين قال: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" فقد أردف مباشرة بقوله: "ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين"، وذلك ليُعلم بأنه غير محتاج إلينا ولا إلى عبادتنا له سبحانه، فالله الغني ونحن الفقراء إليه. ومن هنا فنحن في وجودنا المؤقت على هذه البسيطة بحاجة إلى الاستعداد الكامل الجالب لرحمة الله، في الدنيا توفيقا وتأييدا وبركة وعطاء، وفي الآخر فوزا وسعادة.
ومرة أخرى ففي الاستغفار جلب الأمطار، والإمداد بالأموال والبنين، والبركة في الثمر، وجريان الأنهار، فالمنعم هو الله، والمتصرف في هذا العالم هو الله، وليس بينه وبين حدوث الشيء إلا قوله (كن) فيكون، والاستغفار المطلوب هو الذي يستشعر المسلم الحق معناه، فهو طلب المغفرة، مأخوذ من الغفر الذي هو القناع الذي يقي من السهام والسلاح، وهكذا أحدنا ينبغي أن يقي نفسه من الذنوب وما أكثرها، صغيرها وكبيرها، والمؤمن الحق يستوي عنده كبير الذنب وصغيره، وقد قيل: لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر إلى عظم من تعصي، فكلها ذنوب فيها معصية لله تعالى، سواء بترك أمر أو بفعل منهي عنه.
وهذه الحالة من تفقد النفس من الذنوب مردّ خيرها ليس على النفس فقط، بل على المجتمع، حين يكون نظيفا من الذنوب فهو معافى، وهو حينها مجلبة لرحمة الله تعالى، وسبحان من قال: "وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقا"، فهو يبتلي عباده لعلهم يرجعون ويتوبون، وهو الذي يمهل للآخرين فيعطيهم، وربما عطاؤه لهم مع كفرهم هو لإقامتهم العدل من جهة، أو استدراجا لهم، وتعجيلا للجزاء مقابل أعمالهم الطيبة، وهذا كله من عدله تعالى.
عجيب أمرنا حين نستهزئ حتى بصلاة الاستسقاء، ولا يخرج عامة الناس وأولو الأمر لها، وحين نسمع التعليق على المتدينين، فهذا الفصام النكد بين الدين وأهله من جهة، والعلمانيين وأفكارهم وسمومهم من جهة أخرى، هو الذي ينذر بعواقب وخيمة إن استمر أهل الباطل في باطلهم، ومطلوب من أهل الحق الاستمرار في الإصلاح، فلا يكفي مجرد الصلاح، ونحن ندفع جميعا ثمن سكوتنا عن المنكر الذي يستشري بيننا، بل ألفته عقولنا وقلوبنا، وهذه بحد ذاتها كارثة ينبغي التخلص منها.
هي دعوة لكل عاقل أن يتفقد نفسه في علاقته مع الله أولا، وينظر في أثره في هذه الدنيا، وأين هو في ميزان الله تعالى، كثيرون هم العالة على هذا المجتمع فضلا عن أن يكونوا وسائل خراب، ولا يذكر الناس إلا أهل الفضل من المصلحين والمؤثرين على مجتمعاتهم تأثيرا إيجابيا، فالأمم الحية الواعية هي التي تسعى إلى النهضة والرقي وإسعاد الإنسان، ونحن أوْلى من غيرنا في هذه الفضائل.
وأختم بما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم، حيث كان يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم سبعين مرة، وفي بعض الروايات مائة مرة، وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لا لذنب اقترفه، بل ليكون قدوة لنا ومعلما، ففي الاستغفار إنابة إلى الله واعتراف بتقصيرنا في حقه تعالى، والاستغفار المطلوب هو الذي يحقق هذه المعاني الصادقة، لا مجرد ترديد اللسان لحروف كلمة (أستغفر الله) دون أن تلامس القلوب والعقول، ورضي الله عن علي عندما سمع رجلا يستغفر بطريقة مزرية فقال له: "استغفارك بحاجة إلى استغفار".
* أكاديمي أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »صلاح المجتمع من صلاح الأفراد (عبدالله طاهر السعدي)

    الجمعة 14 شباط / فبراير 2014.
    إن ما شمله هذا المقال هو وصفة طبية حكيمة لعلاج القلوب الغافلة عن ذكر الله وبيان للطرق الصحيحة للوصول الى الغايات النبيلة لتحقيق سعادة الدارين الدنيا والآخرة. فلنبادر الى اتباع نهج نبينا صلى الله عليه وسلم في الإستغفار حتى نظفر بنتائجه التي وعدنا الله بها. اللهم أصلح أمتنا الإسلامية لما فيه خيرها آمين