علاء الدين أبو زينة

البانوبتيكون.. كوسيلة للانضباط..!

تم نشره في الأحد 16 شباط / فبراير 2014. 08:56 مـساءً

راقبت من الشرفة العالية في المدينة المنضبطة سيل السيارات في الأسفل. الشارع عريض خماسي المسارب، لكن السير فيه عالق حتى يبدو وأنه لا يتحرك. ومع ذلك، يلتزم الجميع بالمسارب الأربعة المسموحة، ولا يعتدي أحد على مسرب الخدمات المفصول بخط أصفر على يمين الطريق. لم يستجب أحد لإغواء تجاوز كتلة العربات شبه المتجمدة والإفلات باستخدام المسرب الممنوع. ولو استجاب السائقون لإغواء المخالفة، لكانوا قد أضافوا مسرباً مليئاً فقط، وعطلوا إمكانية مرور سيارات الشرطة والإسعاف في حال احتاجت المرور. وكما يمكن الاستنتاج، لم يكن هذا سبب انضباط السائقين، وإنما اعتقادهم أنهم مراقبون، وأنهم سيتعرضون للعقاب في حال تجاوزوا الخط. ويعرف الجميع في تلك المدينة المنضبطة أن الشوارع والأسواق والمباني والأنحاء خاضعة لمراقبة نظام كاميرات لا فكاك منه، ولقانون يسري على الجميع بنفس الكيفية وبلا تمييز.

الفكرة جدلية، يحكمها تفسير الحد الفاصل بين الحرية ومصادرة الحرية. لكن من المنطقي قبول الانضباط المفيد الذي يجعل حياة الأحياء أكثر أمناً وسلاماً. بطبيعة الحال، يستفيد الاستبداد من تأويله الخاص لهذه المفاهيم من أجل استعباد رعاياه وتهديد سلامتهم نفسها بذريعة الأمن والسلام. وفي المقابل، تقيم السلطات حسنة النية أنظمة رقابة، تكون نتائجها انخفاض الجريمة، وندرة التحرش بالنساء، وتحجيم العنف، وحفظ الحيز الشخصي، وتحرك الناس بحرية في الليل والنهار، مع شعور بالأمن. ومن المفارقات أن مجموع هذه المظاهر التي تصنعها الرقابة والخوف من العقاب أن الفرد يصبح أكثر انضباطاً، وحرية أيضاً. وتقول إفادات الذين يعيشون في الظروف الموصوفة بأنهم يفضلون الانضباط بهذا المعنى، لأنه يحميهم من عدائية الآخرين، ويعفيهم هم من إغواء اجتياز حدود الآخرين وخرق القوانين، ويجعلهم يعرفون تماماً ما لهم وما عليهم.

هذه الأفكار قد تكون ذات استعمال مفيد، بل وضروري، هنا في الأردن. إننا نشكو من الانفلات السلوكي، والعنف الاجتماعي، وانتهاك قواعد الطريق، وازدراء الدور والأحقية، ومختلف أشكال الأبوية والتسلط المجتمعي والأسري، ومظاهر أخذ الحق باليد والاحتماء بالعصبويات. وهي كلها أعراض للاستخفاف بهيبة الدولة واستسهال الاعتداء على القوانين. والنتيجة أن أحداً لا يسلم من القلق. الفتاة لا تكون حرة في التحرك بلا خوف، والشاب يتحسب لاحتمال التعرض لاعتداء أو الانجرار إلى مشاجرة. وتصبح الأعراض والممتلكات بلا مأمن. بل ويشعر العامل بالتهديد في عمله وهو يعرف أنه غير محمي بقوانين واضحة تكفل حقه. وكذلك حال الحريات العامة والتعبير، وما لا حصر له من المناطق الغائمة التي يستغلها الفوضويون أو السلطويون. وإذا شاعت هذه الروح، كما يحدث، فإن الناس تفكر على طريقة "إذا جُن ربعُك، عقلُك لن ينفعك،" ويستنتج الفرد أن انضباطه سيجعله متأخراً خلف الآخرين فقط، وأن مخالفة القوانين وتجاوز الخطوط ربما توصله أسرع قبل غيره، فلا يصل أحد.

يلزم في هكذا أوضاع أن تنتزع الدولة كل الصلاحيات من أي جهة سوى أجهزتها وقوانينها. لن ينفع إسناد سلطات إلى تكوينات اجتماعية تشغّل قوانين فرعية تعطل القانون العام، أو إلى أفراد مميزين بتوصيفات تعطيهم إحساساً بالحصانة. لن يسود الانضباط في وجود "الواسطة" والتمييزات الطبقية أو درجات المواطنة، أو اكتساب الأهمية والحصانة من ولاءات فرعية أو عرقية أو روابط دم. ينبغي أن تحكم نفس الترتيبات كلاً من المواطنين، والوافدين، والزائرين، والأغنياء والفقراء. ينبغي استفراد الدولة بوضع القوانين وإنفاذها، بهدف أن تكون دولة قانون يضبط هياكلها وسلوكياتها هي ذاتها، ويضع هيئاتها وأفرادها الاعتباريين تحت المساءلة، وفقاً لنفس القوانين ولقصد حسن.

الفيلسوف والمنظر الاجتماعي الإنجليزي جيرمي بنثام، وضع تصميماً في أواخر القرن 18، أسماه "بانوبتيكون"، وقال إنه وسيلة لحكم العقل على العقل. والاسم مشتق من "بانيبتوس" في الميثولوجيا الإغريقية، العملاق الذي له مئات الأعين  والمعروف بفعاليته كحارس. وفق بنتام، يستطيع حارس واحد في برج في الوسط أن يراقب عدداً كبيراً من سجناء زنازين تحيط بالبرج بشكل دائري، ويراهم ولا يرونه. هكذا يستطيع الحارس الواحد أن يضبط عدداً كبيراً، وسيعتاد هؤلاء الانضباط حتى لو لم يكن في البرج حارس أصلاً. لا أقترح السجن بهذا المعنى، لكن فكرة "البانوبتيكون" كوسيلة لتعزيز الانضباط الإيجابي وطبعه في النفوس تبدو ضرورية هنا، حسب ما بينت. 

التعليق