تقرير اخباري

"ضحايا بلا صوت": أطفال بلا نسب بانتظار منظومة تحمي حياتهم

تم نشره في الأحد 16 شباط / فبراير 2014. 01:03 صباحاً
  • رسم تعبيري للقيط بريشة الزميل إحسان حلمي

نادين النمري

عمان - يدعو ناشطون في حقوق الطفل إلى ضرورة تعديل التشريعات وايجاد منظومة لحماية الأطفال مجهولي النسب وحقهم بالحياة، واصفين إياهم بـ"الضحايا الذين لا صوت لهم".
وتجددت تلك الدعوات عقب اكتشاف جريمة مقتل رضيع حديث الولادة، وحرق جثته وإلقائه في حاوية نفايات، معتبرين أن "عدم وجود تشريعات لحمايتهم، وعدم توفير برامج وقاية أولية من العنف الجنسي الواقع على الإناث منهم، وغياب المؤسسات التي تقدم الرعاية للأم والطفل في هذه الحالات، كلها تعد سببا رئيسيا لحدوث هذه الجرائم البشعة".
ويرى هؤلاء الناشطون أن "حالات التخلص من حديثي الولادة المعروفة ما هي إلا جزء من مشكلة أعم تتصف بالغموض والتراخي بالتعامل معها ومواجهة جذورها".
الخبير في مؤسسات الآلام المتحدة للوقاية من العنف ضد الطفل، واستشاري الطب الشرعي الدكتور هاني جهشان يقول إن "هناك أطفالا غير مرغوب فيهم يتم التخلص منهم ليس بوضعهم في أمكان عامة أو خطرة وإنما بقتلهم عمدا أو بإهمالهم أو بعدم رعايتهم طبيا، وقد يتم دفنهم ودفن قصتهم معهم بدون ضجة إعلامية، أما في حالة اكتشاف هذه الجرائم فإنه ولعدة أسباب يتم تخفيف العقوبة بنص قانوني".
ويحتوي قانون العقوبات على مادتين تسبغان عذرا مخففا على قتل الوليد، وهما المادة 331 من قانون العقوبات والذي ينص على: "إذا تسببت امرأة بفعل أو ترك مقصود في قتل وليدها الذي لم يتجاوز السنة من عمره على صورة تستلزم الحكم عليها بالإعدام، ولكن المحكمة اقتنعت بأنها حينما تسببت في الوفاة لم تكن قد استعادت وعيها تماما من تأثير ولادة الولد أو بسبب الرضاعة الناجم عن ولادته، تبدل عقوبة الإعدام بالاعتقال مدة لا تنقص عن خمس سنوات". 
كما خففت المادة 332 العقوبة كما يلي: "تعاقب بالاعتقال مدة لا تنقص عن خمس سنوات، الوالدة التي تسببت - اتقاء العار - بفعل او ترك مقصود في موت وليدها من السفاح عقب ولادته".
ويوضح جهشان أن جريمة قتل الوليد تتعدد اسبابها بين الحالة النفسية للأم أو الوضع الاقتصادي، لكن السبب غالبا ما يكون "اتقاء للعار من حمل غير شرعي"، حيث تشعر المرأة أنها وحيدة ولا يوجد من يقدم لها العون، وتصارع ظروفا نفسية وجسدية واجتماعية تكون خلالها عاجزة عن مواجهة مشكلتها ومواجهة المجتمع المحيط بها".
لكن جهشان يشدد على أن "معاناة الأم ليست بأي حال من الأحوال سببا أو مبررا لأن ترتكب جريمة بشعة أو لأن تخفف عنها العقوبة".
وتشاطر مديرة قرى الأطفال SOS  لينا مولا، جهشان الرأي، مبينة أنه "في العلاقات غير الشرعية والتي ينجم عنها الحمل، ونتيجة للموروثات الاجتماعية والعادات والتقاليد، فإن المرأة غالبا ما تتحمل المسؤولية وحدها في حين يبقى الرجل بعيدا عن المساءلة".
وتتابع مولا: "إن قضية الأطفال غير الشرعيين هي مسألة موجودة في كل دول العالم، والواجب علينا كدولة ومجتمع ومؤسسات مجتمع مدني أن نعترف بتلك القضية ونضمن توفير الحماية الفضلى للأطفال، من خلال ضمان حق الحياة الكريمة لهم والعدالة وحق النسب".
وتوضح: "الأصل أن يتم توفير خدمات اجتماعية تقدم الرعاية والحماية للأم التي من الممكن ان تكون ضحية لاعتداء جنسي، فضلا عن وضع برنامج يضمن حياة كريمة للطفل لاحقا، سواء بنسبه إلى والديه الحقيقيين أو توفير رعاية بديلة لائقة".
وتشير احصاءات العام 2012 الصادرة عن وزارة التنمية الاجتماعية، إلى دخول 43 طفلا مجهول النسب إلى المؤسسات التابعة لها، مقابل 78 طفلا معروفي الأب ومجهولي الأم، أي ما مجموعه 121 طفلا غير شرعي، لكن هذا الرقم لا يشمل الرضع الذي يتم العثور عليهم متوفين، في وقت يقدر فيه المعدل السنوي للأطفال المولودين خارج إطار الزوجية بين 100 إلى 150 طفلا سنويا.
من جهته، يوضح جهشان أن عدد حالات اللقطاء المعلن عنها في الأردن هو بضع عشرات سنويا، ولا يعد الرصد الإعلامي الأخير لحالات العثور على اللقطاء أو جرائم قتل حديثي الولادة وجرائم خطفهم، مؤشرا على زيادة عدد هذه الجرائم، بسبب غياب الإحصاءات القائمة على مرجعية ومقاييس علمية محددة، كما حال هذا النوع من الجرائم في معظم دول العالم، انما سبب زيادة معرفة العامة من الناس بهذه الجرائم هو التطور الإعلامي الكبير وسهولة تقنيات التواصل الشخصية". 
وحول الوقاية من جريمتي هجر وقتل الوليد يوضح جهشان أن "تشديد العقوبات في جريمة قتل الوليد لوحدها لن تكون عاملا رادعا للحد من تلك الجرائم"، موضحا أن الحمل غير الشرعي الحاصل خارج نطاق الزوجية والناتج عن جريمة تتعرض لها المرأة الضحية كالاغتصاب وهتك العرض والاستغلال الجنسي، هو نوع من العنف، ومسؤولية الوقاية منه ومن عواقبه تقع على عاتق الدولة، ابتداء، فيتوقع من الدولة أن توفر برامج الوقاية الأولية من العنف الجنسي الواقع على الإناث والأطفال بكافة أشكاله، وعند وقوعه يتوقع من المؤسسات الحكومية أن توفر الاستجابة الطبية والشرعية المتكاملة للضحايا، بما في ذلك توفير عقار مانع الحمل لما بعد الاتصال الجنسي".
ويتابع جهشان: "أما الشق الثاني للحمل غير الشرعي الناتج عن أنشطة خارج نطاق الزوجية لا تكون المرأة فيه ضحية وإنما مرتكبة لجريمة الزنى أو السفاح، فتكون المسؤولية الوقائية للدولة قائمة على التثقيف الجنسي بشكل عام وخاصة للطلبة، والذي سيحد بشكل كبير من الأنشطة التي قد تؤدي إلى حمل خارج نطاق الزوجية، وعند حصول الحمل غير الشرعي، يتوقع من المؤسسات الحكومية والتطوعية أن توفر برامج لمواجهة هذا التحدي الصعب، وأن تكون مرجعيته حماية المرأة وجنينها أو وليدها بما يتفق والقوانين السائدة والشرع الحنيف".
ويشدد جهشان على أن وجود مثل هذه البرامج "لا يعني مطلقا تأييدا أو دعوة لإباحة الزنى، وإنما هو استجابة لحالة مرضية اجتماعية أساسها الوقاية من تفاقم عواقب مشكلة تمر بها المرأة تهدد حياتها وحياة طفلها".
ويزيد أن "الأم هي الوحيدة المرئية في الجريمة، فضلا عن بشاعة فعلتها بالتخلي عن وليدها فإنها توصم اجتماعيا بسبب حملها وان كانت ضحية لجريمة ليست مرتكبتها، ويتفاقم وضعها سوءا بسبب تخلي أسرتها عنها في أثناء محنتها، وبسبب غياب النظم المؤسسية إن كانت حكومية أو تطوعية التي تحمي المرأة في ظروفها العصيبة".
ويقول إن "عواقب قرار المرأة اليائسة بالتخلص من وليدها إما بتركه أو قتله ستؤثر عليها مدى حياتها، وتتصف هذه العواقب بالقنوط وبالكرب الشديد وبالندم والشعور بالذنب، ولهذا السبب عادة ما يحكم القضاة في هذه القضايا بأخف عقوبة ممكنة، وقوانين العقوبات في العادة تساعد على ذلك".

التعليق