المستجدات في أسواق الطاقة

تم نشره في الاثنين 17 شباط / فبراير 2014. 01:00 صباحاً

لهب عطا عبدالوهاب*

عمان- يسود اعتقاد اليوم لدى العاملين في الصناعة البترولية بقرب انبلاج عصر جديد من عصور الطاقة تكون الغلبة فيه للوقود غير التقليدي، لا سيما بعد النجاحات التي تحققت في الولايات المتحدة الأميركية في تفتيت الصخور الرملية لإنتاج ما يعرف بالنفط والغاز الصخريينShale Oil & Gas، وتشير المرئيات المستقبلية الى ان أميركا الشمالية ستصبح مكتفية ذاتياً بالطاقة، بل انها ستتحول إلى مصدر صاف خلال العقود المقبلة، وهو ما سيقلل من اعتمادها بشكل كبير على وارداتها الشرق أوسطية عامةً والسعودية منها خاصة.
إن هذا التحول في موازين القوى الطاقوية سيجعل من الشرق الاوسط ودول الخليج العربي بنظر بعض المنظرين الاستراتيجيين، تحتل مرتبة أدنى ضمن سلم أولويات الأمن القومي الاميركي، لاسيما مع بروز القوى الناشئة في آسيا (الصين والهند) والتي ستتنافس معاً لملء الفراغ أو المشاركة في ذلك جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة.
إلى ذلك، أدت الاحتجاجات الشعبية التي طالت نظما راسخة في دول الشرق الاوسط وشمال أفريقيا، وهو ما بات يعرف بـ «الربيع العربي»، إلى خلق حالة من عدم اليقين في المستقبل، لاسيما وإن المنطقة العربية تستأثر بحوالي ثلثي الاحتياطيات النفطية المؤكدة والتي تربو على 800 مليار برميل؛ إذ انتاب العديد من العاملين في هذه الصناعة هاجس مزدوج يتمثل في توقف الإمدادات وغلق منافذ التصدير الرئيسية في الخليج العربي (مضيق هرمز) والبحر المتوسط (قناة السويس).
وقد أفضت هذه المخاوف إلى حدوث زيادة تصاعدية في الاسعار؛ إذ تجاوز متوسط سعر خام برنت المرجعي حاجز الـ 100 دولار للبرميل لأغلب فصول السنة.
 بيد أن هذه الهواجس تم تبديدها مع استمرار التدفق الآمن للإمدادات دون توقف حتى ولو ليوم واحد فقط؛ إذ عملت السعودية والدول الخليجية الأخرى على زيادة الإنتاج للتعويض عن النقص في الامدادات التي سببها التوقف المؤقت للإنتاج الليبي والتناقص الحاد في الصادرات الايرانية، وذلك لمقابلة النمو في الطلب العالمي الآخذ في الاتساع بعد خروج الدول الصناعية من أسوأ أزمة اقتصادية لم تشهد مثيلاً لها منذ أزمة الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي.
هذا وتتردد بين الآونة والأخرى مزاعم مفادها بأن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما فيها منطقة الخليج العربي هي منطقة لا يمكن الوثوق بها كمورد آمن للإمدادات وهو ما يتناقض مع الوقائع على الأرض، لاسيما وأن المشاهدات التاريخية عبر عقود عديدة خلت تشي بأن المنطقة لم تشهد انقطاعاً يذكر في الامدادات، بل على العكس من ذلك فإن الدول الخليجية المنتجة تمكنت من خلال لعب دور ما يعرف في أدبيات الطاقة بـ «المنتج المرجح» من زيادة الانتاج عند حدوث تطورات طارئة تهدد بوقف الامدادات، كما حصل إبان الحرب العراقية الإيرانية أو عند غزو العراق للكويت. ويمكن أن نجزم بأن الاستثناء الوحيد لذلك، هو ما شهده الانتاج من توقف في العام 1973 نتيجة لاشهار العرب سلاح الحظر النفطي بشكل ناجع، وذلك للمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، وهي تجربة يصعب تكرارها في الوقت الحاضر.
وستبقى الولايات المتحدة حريصة على تأمين التدفق الآمن للامدادات من النفط والغاز لحلفائها الغربيين في حلف شمال الأطلسي (الناتو).
إن الفراغ الأمني المزعوم الذي سيولده انسحاب الولايات المتحدة من منطقة الخليج العربي (وافغانستان)لا يجانبه الصواب ولا يستقيم مع منطق الاحداث؛ اذ ستبقى الولايات المتحدة معنية بشكل كبير بتأمين المرور الآمن للناقلات العملاقة التي تمخر عباب مضيق هرمز والذي تمر من خلاله أكثر من 17 مليون برميل يومياً، وما تواجد الاسطول الخامس البحري في مياه الخليج الدافئه، والذي يتخذ من مملكة البحرين مقراً له أبلغ دليل على ذلك.
وأخيراً، فإن دول المنطقة، ولما تتمتع به من احتياطيات نفطية وغازية مؤكدة، ستبقى اللاعب الأهم في ميادين صناعة الطاقة، ولسنوات عديدة مقبلة، لاسيما وأن الوقود الاحفوري Fossil Fuel سيبقى الوقود المهيمن ضمن مزيج الطاقة العالمي، رغم الجهود التي تبذل في هذا المضمار لإحلال الطاقات البديلة كالطاقة المتجددة، محلها.


*باحث عراقي متخصصفي شؤون الطاقة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شكرا على المقال المتميز (عائشة البستكي)

    الثلاثاء 18 شباط / فبراير 2014.
    مقال رائع كروعة صاحبه...
    تقبل كل معاني الحب والتقدير، والله يعطيك ألف صحة وعافية على مجهوداتك الكبيرة