الأمل والطموح يبددان مشاعر الإخفاق في "التوجيهي"

تم نشره في الأربعاء 19 شباط / فبراير 2014. 05:20 مـساءً
  • طلاب توجيهي يحتفلون بنجاحهم بعد إعلان النتائج صباح الأحد الماضي - (تصوير ساهر قدارة)

ديما محبوبة

عمان- حالة التوتر والإحباط والاكتئاب لم تفارق طالبة التوجيهي روان محمد منذ لحظة معرفتها نتيجتها التي جاءت مخيبة لأحلامها وآمال أفراد عائلتها، الذين كانوا يعدونها بحفلة متميزة إذا حالفها الحظ ونجحت.
روان بعد أن حصلت على نتيجتها من الإنترنت اختلت بنفسها بغرفتها، ورفضت الحديث مع أي كان وامتنعت في الأيام التالية عن الالتحاق بمدرستها، مؤكدة أنها لا تقوى على مواجهة الناس وزميلاتها بعد إخفاقها بمادة اللغة الإنجليزية.
حالة روان تشترك معها حالات أخرى مشابهة تعيش الإحباط وعدم الرغبة بإكمال المسيرة التعليمية، وخاصة في ظل نسبة النجاح المتدنية للدورة الشتوية التي أعلنت نتائجها الأحد الماضي، حيث قامت طالبة توجيهي بإلقاء نفسها من الطابق الثالث من منزلها بمنطقة خلدا غربي عمان، لاستيائها من نتيجتها في امتحان الثانوية العامة، فأصيبت بكسور ورضوض.
أما الطالبة ابتسام خليل، فقد أدخلت المستشفى بعد إعلان نتائج "التوجيهي" الفصل الأول، إذ كان رسوبها في جميع المواد أمرا لم تصدقه هي نفسها ولم يصدقه أهلها، ولكنها تدعي بأن خطأ ما حدث في النتائج.
وريتا طالبة الثانوية بالفرع العلمي أيضا، أخفقت في معظم المواد الدراسية، إذ قررت عدم الالتحاق بامتحانات الفصل الثاني نتيجة حالة الاكتئاب التي تحتلها، إلا أن الأهل حاولوا التخفيف عنها ونصحوها بتغيير الفرع والالتحاق بالفرع الأدبي العام المقبل، كي تجتاز المرحلة الثانوية وتتابع مسيرتها التعليمية.
ردود الفعل جراء الإخفاق في التوجيهي التي تباينت ما بين إحباط واستياء واكتئاب، يعزوها اختصاصي الطب النفسي، د.محمد مصالحة إلى أن "التوجيهي" هو الفصل في منظار المجتمع، مبينا أن الإخفاق في امتحان التوجيهي ليس بالضرورة مؤشرا على الفشل في بقية حياة الطالب.
ويوافقه الرأي التربوي أحمد عبد الله الذي يرى أن المجتمع بات يشكو من ظاهرة الإحباط التي تحتل طلبة "التوجيهي"، لاعتقاده الخاطئ أنه "لا نجاح في العالم غير نجاح التوجيهي".
ويضيف مصالحة أن النظرة الاجتماعية لهذه المرحلة هي التي تغذي "العقدة" في نفوس الناس، فما أكثر الأشخاص الذين حققوا نجاحات باهرة ومع ذلك ظلت هذه العقدة تغذي في نفوسهم الشعور بالنقص، لا لسبب إلا لأنهم لم يحصلوا على شهادة التوجيهي.
لكن اختصاصي علم الاجتماع ومدير مركز الثريا للدراسات، د. محمد جريبيع لا يخفي أن الإخفاق "قاس"، وتحديدا على الأهل والأقارب، خصوصا وأن شهادة "التوجيهي" معيار مجتمعي مهم، على الرغم من أن للنجاح في العمل معيار آخر مهم في حياة الإنسان، وله وزنه أيضا.
الأربعيني عدي عمران واحد ممن أخفقوا في الثانوية العامة، إلا أنه قرر أن يكون شخصا قويا ويتخطى هذه المرحلة، إذ يقول "عند رسوبي في التوجيهي غضب مني الجميع، وخصوصا أهلي، وبدأوا يصفونني بالفاشل، وبأنه لا مستقبل لي".
فقرر عدي ترك المدرسة، وأن يعتمد على ذاته، واتجه إلى العمل في محال تجارية لبيع الملابس، وبعد فترة من الزمن عاد ليكمل "التوجيهي"، وحصل على درجات عالية جدا، واليوم هو على مقاعد الدراسة الجامعية. وهكذا كان رسوب عدي دافعا لتخطي العديد من العقبات والوصول إلى النجاح.
وفي هذا السياق يبين جريبيع، بأن على المجتمع أن يقلل من "هوس التوجيهي"، وأن يعلم بأن ما يحدث مجرد مرحلة تليها مراحل أخرى، وحتى وإن كانت هذه المرحلة مرحلة مفصلية في حياة الطالب، أو الطالبة، فهي في النهاية مرحلة تمضي، ويمكن اجتيازها ولو بعد حين، منوها إلى أنه لا داعي للهلع المفرط وشدّ الأعصاب والتوتر الزائد عن حده.
ويؤكد بأن النجاح في الحياة لا يتوقف فقط على اجتياز هذه المرحلة، ولا حتى من أول مرة، رغم أهميتها في حياة طالب العلم.
ويؤكد جريبيع أن الصدق مع النفس هو الأهم، إذ إن ميول الطالب قد تتجه إلى غير الدراسة، فإذا كان الأمر كذلك، فلا بد من أن يفعل الطالب ما يراه مناسبا، مشيرا إلى أهمية الصراحة بين الأهل والأبناء، وأهمية المحاولة من قبل الطالب، وإعادة الكرة في الدراسة مرات عدة.
في حين يرى عبدالله أن نجاح التوجيهي لا يغطي سوى 15 % من نجاحات الإنسان بشكل عام، مبينا أن الطالب عبارة عن "ميول ومهارات شخصية"، وأن هناك عددا كبيرا من الناجحين في المجتمع لم يتخطوا التوجيهي.
فالخلل، من وجهة نظر عبدالله، يكمن في المجتمع، وفي نظرته للحياة، وفي شركات التوظيف التي ما تزال تشترط شهادة التوجيهي، كمعيار رئيسي لقبول الموظفين وهذا إجحاف في حق الناس، لأن قدرات الناس لا تقف عند الشهادة وحدها.
ويذهب عبد الله إلى أن نظام التعليم كله بات في حاجة إلى قدر كبير من التعديل، حيث إن معيار النجاح الحقيقي في الحياة هي ميول الشخص الجامعي وقدراته.
والحل، كما يقول، يكمن في إبراز قدرة الناجحين في الحياة وفي العمل، رغم عدم حصولهم على شهادة "التوجيهي".
ويردف "وعلى النظام التعليمي أن يركز على ميول الطالب، وعلى أن يكون تحديد تخصصه وتوجيهه بناء على مكونات شخصيته وقدراتها، وأن يتم العمل بذلك منذ الصفوف الأولي.
ويؤكد مصالحة قائلا "على الرغم من أن التوجيهي "عقدة" المجتمع، لأنه يعد نقطة في حياة الطالب وانتقاله إلى الجامعة، إلا أنه ليس نهاية المطاف، بل مرحلة وإنْ طالت فإنه بالإمكان تجاوزها بمزيد من الجهد والمثابرة". 

dima.mahboubeh@alghad.jo

dimamahboubeh@

التعليق