موفق ملكاوي

العربية: لغتنا التي تركناها!

تم نشره في الاثنين 24 شباط / فبراير 2014. 12:04 صباحاً

منذ العام 2000، خصصت منظمة اليونسكو الحادي والعشرين من شباط (فبراير) يوما للاحتفال باللغة الأم، تكريسا لمبدأ التعددية الثقافية، وحماية للكثير من اللغات المهددة بالاندثار والانقراض.
ومنذ العام 2012، يحتفل العرب في الثامن عشر من كانون الأول (ديسمبر) بيوم اللغة العربية، استذكاراً مهماً لتكريسها لغة معتمدة ضمن اللغات الرسمية في الأمم المتحدة. قد تكون المناسبة الأولى احتفالية، والثانية انتصارا، لكن المؤلم هو الواقع الحقيقي الذي تعيشه "العربية" بين أبنائها اليوم.
إتقان اللغة العربية أصبح نادرا، في عصر فرض فيه اشتراطاته التقنية، والتي تغيب هذه اللغة عنها، مثلما تغيب العديد من اللغات الضعيفة عن هذا المجال، لنجد أن اللغة الإنجليزية حاضرة بقوة. هذا الحضور الطاغي للإنجليزية، عزز لدى الأجيال الجديدة هذه اللغة، من أجل التمتع بالعديد من مزايا التقنية المتاحة.
في خضم محاولات الشباب هضم تلك التكنولوجيا، وتعريبها، في أحيان أخرى، ظهرت لغة هجينة، اصطلح على تسميتها "عربيزي". وهي لغة منطوقها عربي وأحرفها لاتينية، ويتم فيها استخدام بعض الأرقام بديلا عن الأحرف غير المتشابهة بين اللغتين. الخطير في الأمر أن هذه "اللغة" تؤسس، إن لم يتم تدارك الأمر، لاستبدال حقيقي للحرف العربي، وإحلال اللاتيني مكانه، كما حدث قبل زهاء قرن مع اللغة التركية التي اختارت الحرف اللاتيني، وقتلت تراثها الحضاري.
لكن، قبل الحديث عن الخطر التقني القادم على متن الثورة المعلوماتية الحديثة، ينبغي أن نتحدث عن جانب آخر تم إغفاله على مدار عقود طويلة، وصولا إلى اليوم، وهو ضعف مناهج اللغة العربية، وأحيانا ضعف مدرّسي هذه المناهج. إن تدني مستوى جودة التعليم الجامعي، أفرز معلمين غير مؤهلين للتعليم، خصوصا للغة العربية التي يتم قبول دارسيها في الجامعات ضمن تنافسية متدنية، بعكس التنافس في التخصصات العلمية. لذلك، انعكست مخرجات رداءة التعليم الجامعي على واقع التعليم الأكاديمي في المرحلتين؛ الإلزامية والثانوية، ما أخرج جيلا هجينا غير ملم بلغته، ولا يستطيع التعبير بواسطتها ضمن أدنى مستويات السوية الإبداعية.
ولكن، هناك أيضا مشكلة أخرى قائمة في سياق تنافسية اللغة العربية والانجذاب إليها، وهي هنا تكمن في سوق العمل التي تشترط إتقان اللغة الإنجليزية في معظم فرص العمل، خصوصا في القطاع الخاص، غير أنها (السوق) لا تلقي بالا إلى كون طالب الوظيفة متقنا للغة العربية أم لا.
هذا الأمر، جعل الشباب يجتهدون في الانتساب إلى دورات اللغة الإنجليزية، واستقصاء تعلمها، لكي يزيدوا من تنافسيتهم وفرصهم في الحصول على الوظيفة المستقبلية، غير أنهم لم ينتبهوا إلى أنهم يفقدون عربيتهم تدريجيا.
خلال الأسابيع الأخيرة، حضرت العديد من العروض التقديمية، وجميعها متعلقة بعملي، قدمها مواطنون عرب، لمواطنين عرب. والمحزن أن غالبية تلك العروض كانت باللغة الإنجليزية. الطامة الكبرى أن أحد تلك العروض كان عن المحتوى العربي على الإنترنت، ومدى ضآلته، ومع ذلك تم تقديمه باللغة الإنجليزية. واقع اللغة العربية اليوم خطير، وعلى جميع المستويات؛ في المدرسة، والجامعة، والعمل، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي والرسائل النصية، وصولا إلى "حركات" الإبداع الجديدة التي تحط من قدر اللغة والإبداع.
واقع "العربية" خطير وحزين، ما لم ينتبه العرب إلى أن لغتهم تفقد جمهورها، وأنها تضمحل تدريجيا، وأنها قد تغدو يوما معرضة للاندثار.

mwaffaq001@

التعليق