فك السحر!

تم نشره في الجمعة 28 شباط / فبراير 2014. 12:00 صباحاً

د. سلمان العودة*

هل قرأت تجربة الفتاة "ليز موراي"؟ شاركَتْ في محاضرات مع رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، والرئيس السوفيتي غورباتشوف، والدالاي لاما.
كان والداها يتركانها وحيدة وبلا طعام، فتضطر لأكل مكعبات الثلج ومعجون الأسنان. وعندما بدأت الالتحاق بالمدرسة، كان القمل يتساقط من رأسها على دفتر ملاحظاتها. فيما كانت تبقى يقظة لتتأكد من عدم تعرضّ والدها لأذى عندما يخرج بحثاً عن المخدرات!
تفوّقها الدراسي وفر لها منحة مالية ومقعداً في جامعة هارفارد، لتنطلق في نجاحاتها. فتحولت من مشردة إلى ملهمة لجماهيرها.
حين تقرأ أو تشاهد هذه الحياة العامرة بالغرائب، لن تبقى ساكنا؛ ستتجه فوراً إلى مقارنة وضعك ومعاناتك والطريق التي يمكنك سلوكها.
الكلمات المكتوبة على الورق أو المنطوقة ليست صورا أو رموزا ميتة؛ إنها عامرة بالروح والحياة. ليست حروفا صماء؛ هي أصوات جهورية تسمعها الأذن ويعيها العقل، ويأنس بها القلب. بعض النصوص والقصص والكلمات تتحول إلى جزء منك وتذوب في كيانك.
الفقر والمعاناة والتشرد، كما الغنى والشباب والشهرة، لن تدوم طويلا، المعرفة هي "النبل الذاتي". انظر إلى الكتاب كإنسان، وإلى النص المقروء كعالم حافل في الحياة.
العالم هو كتاب جبار، صنعته يد الله الذي أتقن كل شيء. والأشياء هي حروف أبجدية لمن يتهجاها ويقتبس منها.
أنت حرف من كتاب هذا العالم الجبار، وبمقدورك أن تلتهم الكثير منه متى شحذت همتك.
البصر، السمع، الخيال، القلب؛ وسائل قراءة لبصير مثلك، استلهمْ منها رسائل تظل محفورة في أعماقك، فهي بوابة الدخول إلى عالم الإنسان.
يقرأ الأب وجوه أطفاله، ويقرأ المحب مشاعر حبيبته، ويقرأ المزارع الطبيعة من دون مفاجآت، ويقرأ العاقل نفسه قبل الآخرين.
قال شيخ: احتضن كتاباً وأنت تلتهم الطعام، وكن كـ"الكلب" الذي يحتفظ بعظمة، بينما يأكل عظمة أخرى رميت له! منذ ذلك اليوم لا أتذكر أنني كنت وحيدا أبدا حتى حين أكون في غرفة محكمة الإغلاق.
جذور الكتاب التاريخية هنا وعلى مقربة منّا في "بابل"، قرب مساقط الأنهار والمياه. ولكنها تهاجر بعيدا وتتركنا للجهل.
القراءة هي المتعة التي تدوم وتكبر عندما تتلاشى المتع الأخرى. والإنسان القارئ هو إنسان مفعم بالحياة. القراءة الحقيقية تتداخل مع البناء والهدم والتركيب والإعادة والترتيب والتحليل.
ما أزال أجد الكتاب كنزا يثير فيّ كل معاني الدهشة والفرح، ويأخذني من عالمي المثقل إلى أفق أرحب وأوسع. كما كنت في طفولتي بقيت حتى الساعة؛ أفرح بالكتاب وأعده أغلى هدية.
القراءة للجميع، مثل الخبز للجميع!
في شارع فرانكفورت خزائن مثبتة يمكن لأي عابر فتحها وتصفح كتاب أو أخذه معه وإعادته، أو إضافة ما يريد في أي مكان وبأي لغة. ثقة بالناس، وأنهم يمكن أن يكونوا أمناء من دون رقابة، وثقة بعقولهم وتمحيصها على الخطأ والصواب.
قراءة الأطفال في الكتب القصصية الملونة بلهفة وشغف، نضج تربوي مبشر.
فكّ الحرف لأميّ أو طفل، يشبه فك السحر؛ فهو اكتشاف خطير. كنت طفلا أمر على اللوحات وأقرأها بسرعة، وكأنني اكتشفت حاسة جديدة غير السمع والبصر.
معارض الكتب عادة ثقافية تعبر عن وعي وحراك محمود.
الطالب الذي يلقي نظرة أخيرة على الكتاب قبل أن يدخل قاعة الامتحان، وكأنه يودّعه إلى غير رجعة، لم يتخرج، بل لم يبدأ بعد.



*داعية سعودي، والمشرف العام على موقع "الإسلام اليوم"

التعليق