"معالي وزير التربية".. إجراءات ضبط جودة الرقابة أم جودة التعليم؟

تم نشره في الأحد 2 آذار / مارس 2014. 01:00 صباحاً
  • طالبات "توجيهي" يتقدمن لأحد امتحانات الثانوية العامة في مدرسة سكينة بنت الحسين في عمان- (تصوير: ساهر قدارة)

بقلم: د.ذوقان عبيدات وحسني عايش

لم يعد موضوع امتحان التوجيهي، الأردني، قابلاً للمزيد من الأفكار النظرية، فقد قدّم أنصار الامتحانات – الصقور – كل ما لديهم، وقدم معارضو الامتحان بعض ما لديهم، وفشل الطرفان في التوصل إلى نقاط لقاء.
وبعيداً عن هذا النقاش، فقد جئت يا معالي الوزير في العام 2013 ووجهت جهدك، واهتمامك على ضبط إجراءات تنفيذ أو مراقبة الامتحان، وهذا يشكل حلقة بسيطة من حلقات تقديم امتحان ناجح، ويشكل جزئية بسيطة جداً من حلقات تطوير التعليم.
فهنا تبرز مسلمتان: الأولى: ضبط جودة المراقبة لا تعني ضبط جودة الامتحان، والثانية: ضبط جودة الامتحان لا تعني ضبط جودة التعليم.
نعم! ضبطت جودة المراقبة – نسبياً -، وهذا نجاح لا ننكره، بل وتستحق التهنئة عليه، فقد تصديت لموضوع، لم يتصدّ له من سبقوك، وما الضجة المثارة إلا ردود أفعال متوقعة لإنجازات أو مزايا غير مشروعة فقدها كثيرون أدمنوا الغش، تصديت لموضوع سكت عنه مسؤولون سبقوك، خدروا المجتمع بنتائج غير دقيقة!!
ولا يضيرك معالي الوزير، أنك جئت من فضاءات غير تربوية، فالوزراء التربويون لم يتركوا أية بصمات واضحة، وعلى العكس سجل (مضر بدران، وعبدالسلام المجالي، وعبدالرؤوف الروابدة) صفحات تربوية ناصعة، نتمنى أن تكون منهم، وبالمناسبة كان تطور الفكر التربوي عالمياً على أيدي أطباء ومهندسين وعلماء بيولوجيا وفزيولوجيا وتشريح، ولعل أسماء مثل: بافلوف، وسكنر، وروسو، وبستالوزي، ومنتسوري، ودي بونو، وإليستر (صاحب نظرية الإبداع تريز) وحتى علماء النفس السلوكي والمعرفي، كانوا في معظمهم من خارج الفضاءات التربوية. ويمكن فهم هذا لقدرتهم على رؤية الموقف دون التقيد بتفصيلاته وعقده.
وليس سراً أن نقول أن من يقود أعظم مشروع لتطوير التعليم في العالم العربي هو مهندس شاب يشرف على عمليات تطوير التعليم في مشروع الملك عبدالله – السعودية، حيث حقق حتى الآن نجاحات واختراقات مبهرة في مجال الإدارة المدرسية ومجال تطوير أداء المعلمين.

فشل جهود تطوير التعليم
فشلت جهودنا المحلية في تطوير التعليم – أو لم تحقق أغراضها على الأقل – فمنذ نهاية الثمانينيات تم عقد سلسلة من المؤتمرات التطويرية، أثمرت بسبب – الشللية والشكلية– عن إصلاحات أو إجراءات جزئية، مثل: رفع مستوى المعلمين الأكاديمي من دبلوم معهد معلمين، كليات مجتمع، إلى درجة البكالوريوس، أو تغيير المناهج والكتب المدرسية.
ولم تؤدِّ هذه الإجراءات أي دور مهم، فقد تم إعداد معلمينا في الجامعات على أيدي هيئات تدريسية – يمكن وصفها علمياً وبأمانة – بأنها ليست مؤهلة لإعداد معلمين، أو هي بالأصل تفتقد إلى مهارات المعلم، فوجود حامل الدكتوراه في الأدب أو التاريخ أو الفيزياء، لا يعني أنه مؤهل كمعلم، فكيف أوكلنا له مهمة إعداد معلمين؟؟ والنتيجة أننا استبدلنا الإعداد الجيد في معاهد المعلمين – حيث المختصين- بإعداد شكلي في جامعاتنا.
ارتفع صوت صقور الامتحانات: الامتحان شرّ لا بد منه، خلافاً للرأي القائل: الامتحان شرّ يجب التخلص منه، وسارت الوزارة مع أصحاب الصوت الأعلى، وقدمت تنازلات شكلية مثل: إطالة فترة عقد الامتحان ليتمكن الطلاب من مزيد من الحفظ، تجزئة الامتحان إلى شتوي وصيفي، تحريك أسس النجاح وتعديل عدد المواد المطلوبة.
وطالب الصقور بمزيد من الامتحانات لتشمل نهاية المرحلة الابتدائية ونهاية المرحلة المتوسطة، وخاض مجتمعنا معارك رهيبة حتى تخلص من الامتحانات – أو الشرور التي لا بد منها-.

نتائج الامتحان لم تتغير قبل وبعد!
ومن الملاحظ أن نتائج الامتحان لم تتغير قبل التطوير وفي أثنائه وبعده، مما يشير إلى أن الامتحان يعقد لغايات سياسية اقتصادية، وليس لغايات تربوية، وهذا حق الدولة التي رأت أن من الضروري حماية جامعاتنا من تدفق آلاف الخريجين.
ولكن كيف نفهم أن الوزارة وقد وضعت خطط تطوير، شملت المعلم والمدير والمنهج وطرق التدريس، ولكن بقيت النتائج حول معدلها تماماً، مع تدنٍّ واضح في نتائج سنة 2014؟؟
إننا هنا حملنا الطلبة وذويهم فقط مسؤولية مباشرة عن عدم نجاح أبنائهم، ولم يناقش أحد لماذا تدني النجاح؟ حتى لم يناقش أحد أن الطلبة يلقون بالكتب الدراسية في الشارع بعد أن يقدموا فيها امتحانا!!
ولعلنا نذكر - الملهاة المأساة – حيث سُرّبت أسئلة مادة دراسية ما، وقرر معالي الوزير إعادة الامتحان فيها، وحين صرخ المجتمع: لقد ألقى الطلبة بالكتب في الشوارع، فكيف سيقدمون الامتحان دون كتب؟؟
وهنا برزت شهامة الوزير حين تبرع بتوزيع كتب مجانية لمن "رموا" كتبهم. (لاحظ طريقة المعالجة، حيث لم يفكر معاليه بالأسباب التي دفعت الطلبة إلى إلقاء الكتب في الشوارع أمام المدارس).
إننا لن نناقش وجود الامتحان أو إلغاءه، فهذا ليس غرض هذا المقال، ولكننا نريد أن نضع المجتمع والوزارة أمام عدد من الملاحظات:

جودة التعليم لا جودة الامتحان
أولاً: إن جودة الامتحان لا تعكس جودة التعليم، والعكس صحيح، فالتعليم الجيد يقود إلى امتحان جيد، إن جهود إصلاح جزء من الامتحان أو الامتحان كله، كمن يضع العربة أمام الحصان، فالتعليم الجيد يعني: إدارة مدرسية جيدة، معلماً متعلما، مشرفاً متعلماً جيدا، استراتيجيات تدريس ومدرسة متعلمة.
وبإشراف إدارة تربوية جيدة، تقدم الأنظمة والرؤيا وتخطط للمناهج وغيرها، فأين نحن من المدرسة المتعلمة؟
وقد نثير سؤالاً، أرجو أن لا يزعج المعلمين، فكلنا معلمون أو معلمون سابقون:
"لو قدم المعلمون نفس اختبار في نفس أسئلة التوجيهي في تخصصاتهم، هل سيحصلون على العلامة الكاملة أو شبه الكاملة أو في الثلث الأعلى المتفوق"؟
إن المشرفين التربويين يعرفون تماماً النقص في تعلم معلمينا من خريجي الجامعات، فماذا عملنا لمساعدتهم على تنفيذ المنهج الذي يدرسونه؟ وهل بالإمكان عمل برامج قصيرة لمساعدتهم؟
وهنا نقول: جئنا بالطلبة من عمر ست سنوات، وتعهدنا بتعليمهم، بل وألزمنا الأهالي على إرسال أبنائهم، وشرّعنا ذلك قانوناً، يدرسون عشر سنوات إلزامياً، وثلاث سنوات أخرى، ثم نفاجئ الجميع بأن نسبة النجاح (50 %).
كيف نلزم الطلبة بالتعلم ولا نلزم أنفسنا بتوفير التعليم الجيد؟ إن من بديهيات القول: إن مدرسة جيدة، ومديراً جيداً، ومعلماً جيداً، وكتاباً جيداً، سوف يقود إلى طالب جيد. ألم نسمع كلنا بمفاهيم حديثة مثل: (مدارس دون رسوب)؟
ألم يحن الوقت لأن نعترف بأن فشل الطلاب لا يتحمله الأهل أو الطلاب؟
ألا نعرف أن العلامة الواحدة فوق التسعين تكلف آلاف الدنانير بالدروس الخصوصية.

 الكفاءة الداخلية والكفاءة الخارجية:
ثانيا: تقاس الكفاءة الخارجية بقدرة النظام التعليمي على تحقيق أهدافه، وعلى الجميع أن يعرف أن نهاية المرحلة الثانوية تختلف عن بداية الالتحاق بالجامعة، فأن ينهي الطلبة دراستهم الثانوية لا يعني أننا أدخلناهم – أو ضمنا إدخالهم – إلى الجامعات، فالتعليم الثانوي يهدف إلى إكساب الطلبة مهارات تقودهم إلى الحياة، وعلينا أن نفصل من حساباتنا نهائياً العلاقة بين امتحان التوجيهي والجامعات!! وعلى الجامعات أن تدبر أمرها!
هل تعلمون أن الجامعات السعودية تعد اختباراً في التفكير للطلبة، ويحسب هذا الاختبار (80 %) من درجات قبوله في الجامعة، بينما يحسب لامتحان الثانوية (20 %) فقط؟
أما الكفاءة الداخلية فهي أمر أكثر وضوحاً: من كل 1000 طالب يدخل الصف الأول الابتدائي يجب أن يتخرج 1000 طالب بعد 12 سنة من التعليم، - مع حساب الوفيات طبعاً-.
وما يحدث لدينا، حسب إحدى الدراسات الرسمية سنة 1992، ان من كل ألف طالب يتخرج 135 طالبا بعد 12 سنة، يتقدمون لامتحان التوجيهي، ينجح منهم 50%. أما بقية الطلاب فإنهم يتوزعون بين: من سيصلون إلى التوجيهي بعد سنة، من سيصلون إلى التوجيهي بعد سنتين، من سيصلون إلى التوجيهي بعد ثلاث سنوات، من تسربوا وتركونا وحدنا نعشق امتحان التوجيهي، نعم، إن وجود نسب رسوب وتسرب سيزيد كثيراً من عدد المتشردين في الشوارع!
ولذلك ندعو الله بإخلاص أن لا تعمد الوزارة لتشديد قواعد الرسوب والنجاح، وأن تضع في اعتبارها أن الرسوب يقود إلى التسرب، ولا يؤدي إلى تحسن الطالب الذي رسب.
وندعو لأن لا تعمد الوزارة إلى الحلول السطحية مثل: امتحان عام للمرحلة الابتدائية وآخر للمرحلة المتوسطة. وأن تحسب الوزارة حساباً للمهم لا للسهل.

كلفة نفسية
ثالثا: إن التفكير السطحي قائم على حساب ما نستطيع قياسه مثل درجات الطلاب ومعدلاتهم، وإهمال ما لا نستطيع قياسه مثل الآلام والمتاعب وتخريب القيم الاجتماعية والثقافية والعائلية، وإلا كيف وقف المجتمع ضد إجراءات وقف الغش؟ أليس الامتحان مسؤولاً جزئياً عن هذا. هنا نقول: ليس كل ما يمكن حسابه يحسب حسابه (أي يكون مهماً)، وليس كل ما يحسب حسابه يمكن حسابه (أي ليس كل ما يقاس يعتبر مهماً).
فهناك كلفة نفسية لم نحسب حسابها تمثلت بحالات الإحباط والعجز المكتسب وحتى الانتحار، وهناك كلفة قيمية لم نحسب حسابها تمثلت بتعطيل الموضوعية ودعم الغش والاحتيال، وهناك كلفة مادية لم نحسب حسابها.
إن كلفة الطالب – لو قدرناها بأربعمائة دينار سنوياً في المعدل (مع أن كلفة طالب المدارس الخاصة تصل إلى خمسة آلاف دينار). إذن كلفة الطلاب الراسبين في التوجيهي: 70.000 × 400 = 28 مليون دينار، لو أنفقتها الوزارة على تطوير التعليم لعادت باستثمارات إيجابية.
وإن كلفة الراسبين في عام دراسي واحد في مختلف الصفوف قد لا تقل عن هذا الرقم. بل إن كلفة الراسبين في التوجيهي يجب أن تضرب في 12 لأنها الوزارة علمت الطالب 12 سنة، وقالت له: "اذهب أنت وأهلك فقاتلا......"، أموال مهدورة دون عائد سوى سادية صقور الامتحانات.
المطلوب: من وزارة التربية وقادتها نقل الاهتمام من: ما يمكن حسابه إلى ما لا يمكن حسابه، ويحسب حسابه، ومما لا يحسب حسابه إلى ما يحسب حسابه. والابتعاد عن: ما يمكن حسابه ولا يحسب حسابه، لعدم وجود أي قيمة له.
وعلينا أن ندرك أن نسبة النجاح يجب أن تكون 100 %، وإذا تدنت عن ذلك، فلا يتحمل مسؤوليتها لا الطلاب ولا أهاليهم، بل هي مسؤولية النظام التعليمي.

نلعب امتحانات
رابعا: وفي دراسة أعدتها الوزارة في بداية التسعينيات، حيث تمت إعادة امتحان التوجيهي الشتوي لعينة من 200 طالب وطالبة بعد مرور أربعين يوماً على تقديم التوجيهي، أظهرت النتائج أن الطلاب فقدوا أكثر من
 50 % من درجاتهم ومعدلاتهم، مما يشير إلى أن الامتحان لم يقس شيئاً مهماً! إنما قاس حفظ الطلاب في فترة زمنية مؤقتة، تعادل بعدها الطالب المتفوق بالطالب غير المتفوق.
إذن، نحن نلعب امتحانات، وليتنا نلعبها عن جَدّ.
وعلينا أن نعي أن نسبة النجاح المنطقية هي 100 %، وإلا فعلينا أن نطبق المعادلة الآتية وهي إحدى معادلات الإداري الأميركي مورفي:
إذا كانت نسبة النجاح 50 %، فإن نسبة الفشل 80 %، وذلك لأن علينا أن نحسب كلفة الفشل وكلفة الجهد المبذول.
إن امتحاناً يقيس حفظ الطلاب في لحظة معينة لا يستحق أن نبذل جهداً لضبط إجراءاته، وسيان إن كان مضبوطاً أو فوضوياً، فهو لا يقيس نتاجات تعلم.
إن الوزارة منذ 2006 تهتم بوضع نتاجات التعلم قبل أن تضع محتويات المنهج، وفعلاً وضعت المحتويات على ضوء النتاجات، ثم كلفت مؤلفي الكتب لوضع الحقائق والمفاهيم المطلوبة، وهنا سؤال:
هل قاس الامتحان نتاجات التعلم، أم قاس حقائق وضعها مؤلف الكتاب؟ ومن هنا علينا أن نضع جسراً بين: جبل اللويبدة (حيث مديرية الامتحانات)، وبين جبل الحسين (حيث مديرية المناهج)، وأن ننظم المرور حرصاً على الانسيابية.

محاولة لفهم بعض النتائج:
خامساً: قد يصعب على محلل خارجي أن يفهم السياق الذي جاءت فيه النتائج، فهناك أرقام يصعب تفسيرها مثل: تفاوت النتائج عبر فروع التعليم الثانوي في مادتي اللغة العربية والثقافة الإسلامية، وهما مادتان – محوريتان – وبسيطتان نسبياً:
وهذه بعض الغرائب أو النوادر:    طلاب التعليم الصحي يتمتعون بمعرفة دينية عالية، فالدين الصحيح في الجسم الصحيح. طلاب الشرعي هم الأقل في المعرفة الدينية بعد الأدبي!! طلاب العلمي هم الأعلى في الثقافة الإسلامية، لأن العلم والدين لا يختلفان. طلاب الزراعي هم الأقل إتقاناً للغة العربية، فالزراعة تضعف اللغة العربية. طلاب الأدبي هم الأقل لغة و"معرفة دينية"، فالأدب بحاجة أن يهتم باللغة.
وهكذا نستنتج لكي نقوي الدين والثقافة الدينية علينا أن نهتم بالصحة والصناعة والعلوم، وأن نبتعد عن الأدب والعلوم الشرعية (68 %)، فهل هذا مقبول؟

 الامتحان والذكاءات المتعددة:
سادساً: جاءت نظرية "جاردنر" في الذكاءات المتعددة لتعلن عدم وجود ذكاء واحد يقاس باختبار واحد. كما ألغت وجود: طلبة أذكياء وأغبياء.. إلخ.
فكل طالب يمتلك طيفاً مكوناً من ثمانية ذكاءات، فقد يرتفع ذكاء ما عند طالب، ويرتفع ذكاء آخر عند طالب آخر، ولنعرف بالنظرية أولاً: فلدى كل إنسان الذكاءات الآتية: اللغوي، الرقمي المنطقي، البصري، الحركي، الاجتماعي، التأملي، البيئي، والإيقاعي.
وتتفاوت هذه الذكاءات عند كل طالب. ليس هناك سؤال: هل الطالب ذكي أم غبي؟ فالسؤال هو: ما نوع ذكاء الطالب؟ فكل طالب إذن يمتلك ذكاء يميزه عن غيره.
علينا أن نعلم أن كل طالب وفق نوع ذكائه، فهناك طلاب يتعلمون من خلال: الأرقام والمنطق والتجربة، أو الحركة، أو الصور، أو العمل التعاوني، أو التأمل، أو الإيقاع، أو المفاهيم البيئية أو الكلمات واللغة.
فإذا تعلم كل الطلبة وفق ذكاءاتهم، فإن النتيجة الحتمية هي تفوقهم جميعاً، وبذا نسقط أكذوبة المنحنى الذي يقسم الطلبة إلى متفوقين جداً، متفوقين متوسطين، ضعاف، ضعاف جداً.
إن مناهجنا وامتحاناتنا - وشروحات معلمنا – كلها لفظية لغوية، وبذلك يستفيد منها بالدرجة الأولى من ارتفع ذكاؤه اللغوي، وهؤلاء نسبتهم 20 % فقط، أي أننا: نعلّم
 20 % من طلابنا بطريقة صحيحة ونهمل
 80 % من الطلبة، وبذلك من الطبيعي أن يتفوق من تلقى تعليماً جيداً وهم الطلبة ذوو الذكاء اللغوي، ذلك ليس لأنهم أفضل الطلبة، بل لأن التعليم الذي نقدمه يناسب ذكاءاتهم، وبذلك نقول بأمانة: لو يتلقى الطلبة التعليم الذي يناسب ذكاءاتهم لتفوقوا جميعاً.
وهكذا، نلاحظ الظلم في الامتحانات الموحدة – العادلة جداً -.

العدالة ليست شكلية
سابعا: وعدالة الامتحان ليست في العدالة الشكلية، إنما عدالة: توفير بيئات تعليم مناسبة في جميع المدن والقرى. توفير معلمين وتجهيزات مدرسية بنفس المستوى في جميع المدن والقرى. وتوفير بيئات اقتصادية وثقافية واجتماعية بنفس المستوى في جميع المدن والقرى.
كيف ينام مجتمع، ويرضى عن امتحان موحد – عادل جداً – وفق منطق وزارة التربية وصقور الامتحان، لا تتوافر فيه شروط أساسية للعدالة؟
وكيف نقارن بين مدرسة سكينة وكلية الحسين وبين مدارس عامرة لم ينجح بها أحد؟
هل هو اختلاف الذكاء؟ اختلاف الاهتمام؟ اختلاف المناهج؟ نسعد لو قدمت وزارة التربية جواباً!!

ثامنا: وحين يعلن الوزير أن الأسئلة من الكتاب المدرسي، وليست خارجه، هذا إعلان قد يهدئ الطلبة وأولياء أمورهم، ولكنه ليس مدحاً للامتحان، فالامتحان الجيد لا يقيس معلومات من الكتاب أو حقائق وبيانات من المنهج، الامتحان الجيد هو امتحان يقيس: المفاهيم والمبادئ والتعميمات التي اكتسبها الطالب. مهارات التفكير لدى الطالب، وقدرته على مواجهة المواقف أو على الأقل يقيس نتاجات المنهج، وليس مفرداته. فالنتاجات هي المفاهيم الكبرى والمبادئ العامة وطرائق التفكير، وهي أساس المنهج، وليست الحقائق التفصيلية التي أوردها مؤلفو الكتب المدرسية.
هذا ليس تنظيراً، فالنتاجات هي غاية المنهج والحقائق هي مجرد وسيلة لتحقيق النتاجات التي يمكن أن تتحقق من خلال هذه الحقائق أو غيرها.

المشكلة في طرق التعلم
تاسعا: والامتحان يعكس طرق التعلم واستراتيجياته، فكما تعلم الطلبة يمتحنون بنفس الطريقة التي تعلموا بها، فلا يجوز مثلاً أن يتعلموا ويتدربوا على إجابة أسئلة اختيار متعدد. وتأتي أسئلة الامتحان بشكل مقال، وهنا أضع مسلمتين: الأولى: الامتحان جزء من التعلم ويسير وفق استراتيجياته وطرقه. الثانية: الامتحان يجب أن يتم في نفس الظروف التي تم بها التعلم.
أما تغيير نمط الامتحان منعاً للغش أو أي مبرر آخر، فليس حلاً تربوياً، وقد يكون حلاً انتهازياً، فالامتحان سواءً التوجيهي أو غيره، ليس كميناً ينصب للطلاب كي يقع فيه المغفلون!
ألا يكفي أننا نستغفل المجتمع، حين نقدم بيئات تدريسية غير متكافئة؟ ونستغفله حين نلزمه بالتعلم ونقول له: ابنك راسب؟ ونستغفله حين نمتحن أبناءه بحقائق ومعلومات تُنسى فور نهاية الامتحان.
المطلوب: تغيير فلسفة الامتحان وأسسه وليس مجرد إجراءات مراقبته، وإلا فلنفكر في بدائل أخرى.

عاشرا: وتقول بحوث الدماغ الحديثة أن الدماغ الإنساني يعمل وفق شروط، حيث يتعلم الدماغ بفعالية، وينشط بفاعلية، إذا توافرت متطلبات من أهمها: توافر الوقت الكافي، وعدم حشر الدماغ في وقت ضيق، وإلا انخفضت فعاليته وقل أداؤه، وهذا ما لم يوفره امتحان التوجيهي. توافر الخيارات بحيث يكون الدماغ أمام بدائل، فما يعيق الدماغ هو أن نضعه أمام: إما ... أو...، حيث يشعر الدماغ بالضيق وتقل فاعليته، ومن المؤكد أن امتحان التوجيهي لا يقدم خيارات لا في الوقت ولا في طريقة الإجابة ولا في اختيار التوقيت أو المدة.
وأيضا توافر الأمن والبعد عن التهديد، فالخلايا العصبية الواقعة تحت التهديد هي خلايا قليلة الاستجابة وبطيئة الاستجابة، وحين يرفع عنها التهديد تعود إلى طبيعتها.
فهل جو التوجيهي جو آمن؟ ألا يعج بتهديدات لعل أقلها أنه سيحدد مصير الطالب ومستقبله الحياتي لا مجرد المهني؟

حادي عشر: وأخيراً، فإن بالإمكان التعامل بطريقة أفضل مع إجراءات الامتحان بطريقة لا تصدم أحداً، ولا تفاجئ أحداً. ضبطنا إجراءات المراقبة وعلينا أن نضبط التعلم ونبحث عن مدرسة متعلمة، ومعلم متعلم، لا مجرد طالب متعلم.
علينا أن نجعل المدرسة بيئة جاذبة والتعلم ممتعاً.
والامتحان شر يجب التخلص منه لا التعايش معه، وإلى أن نصل إلى هذا القرار علينا أن نحول التوجيهي إلى خير نتعايش معه ونعيشه!!!
إن المعلومات لم تعد ملكا لأحد
وصار بإمكان كل إنسان أن يحصل على ما يريد منها في أي لحظة. فما قيمة أي امتحان يسعى لقياس ما يتذكره الطالب منها  فالطالب يستطيع حفظ كتابه المدرسي بنفسه.


* خبير تربوي أمين عام سابق لوزارة الشباب
** كاتب وخبير تربوي 

local@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تحليل تشخيصي (اعتدال الردايده)

    الجمعة 13 شباط / فبراير 2015.
    دراسة رائعة تحلل الواقع دون مجاملة يجب الاستفادة منها، وتحقيق جودة التعليم يحتاج إلى جهود كبيرة تشمل كافة العناصر التربوية المشاركة في عملية التعليم ،الكتاب المعلم المدير البيئة المدرسية والتعليمية فمثلا فيالمدارس يطبق المعلمون استراتيجيات التدريس والتقويم وينفع إن فيها حسب أهدافهم للدرس في المرحلة الأساسية والصف الحادي عشر أما التوجيهي فلا ونجد الوزارة بكوادرها تعزز هذا السلوك بقولهم هذا صف توجيهي بدنا إياهم ينجحوا وتكون طريقة التعليم التلقين والحفظ فقط !!!!
  • »الجودة والعدالة (ماجدة طهبوب)

    الأحد 2 آذار / مارس 2014.
    أعتقد أننا نظلم التربويين إذا نسبنا كل نجاح حققته التربية الى أشخاص غير تربويين، ونظلم وزارة التربية والكوادر التربوية العاملة والمتواجدة في الأردن اذا نفينا وجود أشخاص على انجاز أعظم من الإنجاز الذي حققه المهندس السعودي . ولكن حقيقة أن هذا الشاب محظوظ لأن حصل على الفرصة ولقى القبول. فهنيئاً للسعودية لإعطائها الفرصة لشخص مؤهل يلقى القبول من السعوديين.
  • »تشخيص دقيق (ليندا ابو مغلي)

    الأحد 2 آذار / مارس 2014.
    اشكر الكتاب الكرام على هذا التشخيص الدقيق للمشكلة الحقيقية بعيدا عن دفن الرؤوس بالرمال والمعالجات السطحية البعيده عن جوهر القضية وعن تجربه حقيقية في التعليم في كبرى المدارس الخاصة في عمان أقول إننا للأسف نمارس مع طلبتنا كل انواع التعليم الإبداعي وعند مرحلة الثانوية يحصل انتكاسة في أساليبنا محكومة في أسلوب قياس امتحان الثانوية ونعود الى أسلوب التلقين والحفظ حتى يستطيع طلابنا مجاراة هذا الامتحان العبقري الشكر مره اخرى للكتاب الكرام وامنياتنا ان تلقى هذه الدراسه الاهتمام اللازم