التل: قوى الشد العكسي تؤثر على مسيرة النساء

تم نشره في الاثنين 3 آذار / مارس 2014. 11:59 صباحاً
  • الباحثة في شؤون المرأة د. سهير سلطي التل - (ارشيفية)

عزيزة علي

عمان- رأت الباحثة في شؤون المرأة د. سهير سلطي التل، أن النساء العربيات زرعن ورد الوطن وسقينه بدمائهن وأحزانهن وصبرهن، وبكل الوسائل، منذ زمن الثورات العربية من أجل الاستقلال أو ما اصطلح على تسميته "الربيع العربي".
وتساءلت، ماذا قدم لهن الوطن المستقل، وماذا قدمت لهن الثورات؛ قديمها وجديدها؟
وقالت "قد تكون ثمة مكتسبات هنا وهناك، نذكر منها تونس، وقوانين بورقيبه، ومصر وقوانين جمال
عبد الناصر، ومنحة من هنا ومنحة من هناك في غير مكان عربي، لكن المحصلة أقل بكثير مما يحق للنساء كمواطنات وبشر".
وشددت الحاصلة على شهادة الدكتوراه في الفلسفة وصاحبة كتاب "تاريخ الحركة النسائية الأردنية من 1944 وحتى 2008"؛ على أن المسؤولية تقع على عاتق كل القوى الحيّة التي تتصدر المشهد النضالي، وعلى رأسها الأحزاب السياسية وقوى المجتمع المدني الفاعلة والحركات الشبابية، مؤكدة أهمية الانتباه إلى جدلية السياسي الاجتماعي – النسوي عند إعداد البرامج وحملات الاستقطاب، وأن عليها تطوير برامجها بما يحقق تأطير أوسع شريحة من النساء لتحقيق التفاعل مع حاجاتها ومصالحها وتطلعاتها، والتخلي عن السلوك الاستعماري لها، وأيضا تحقيق المزيد من ديمقراطية العمل المنظم بما يكفل استيعابها ومشاركتها إيجابيا وبقوة.
ودعت صاحبة كتاب "مدينة الورد والحجر"، النساء إلى الانخراط الواسع والمؤثر في الحراك السياسي الفكري الدائر، والعمل على التأثير من الداخل، والعمل الدؤوب من أجل الوصول إلى المواقع المؤثرة كافة تنظيميا واجتماعيا.
وحول انعكاسات الربيع العربي على أوضاع النساء والأدب والفن، قالت صاحبة المجموعة القصصية "العيد يأتي سراً"، إنه من المبكر جدا الحديث عن انعكاساته على الأدب والفن، فحقيقة مشاركة غالبية النخب الثقافية في فعاليات الانتفاضات الشعبية في الميادين، لا يعني أنها قادرة على إنتاج أعمال إبداعية عميقة تحكي قصتها باستثناء بعض الأعمال ذات الطابع التسجيلي، أما النساء وبصفتهن قوة أساسية فشاركن في فعاليات هذه الظاهرة وما سبقها، فقد تقدمن الصفوف؛ شاركن لكنهن لم يحصدن الا اقل القليل.
 وتعود مؤلفة "المشنقة" وهي مجموعة قصصية، إلى مراحل الانتفاضات ومنجزاتها، وخصوصيتها في المجتمعات التي مرت بها، مشيرة إلى أنه في تونس ونتيجة تراكم إرث نضالي حقوقي ومدني عميق، من جهة، واستمرار نضال النساء في المرحلة الانتقالية من جهة اخرى، لم تستطع القوى المحافظة والأصولية فرض التراجع عن مكتسبات النساء، لا بل نص الدستور الجديد على مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص بين الجنسين إلى جانب مواد أخرى كثيرة، والعهدة الآن على التطبيق.
وتحدثت التل عن معانات المرأة في مصر حيث "عانت النساء الأمرين"، في البداية وتم التراجع عن غالبية مكتسباتها إبان حكم الإخوان، إلا أن الأمور عادت إلى شيء من التصحيح في الدستور الجديد، وان لم تصل إلى قوة ووضوح الدستور التونسي، وبالعودة إلى الملكيّات ففي الإصلاحات المغربية حققت النساء المزيد من المكتسبات وخاصة في مجال الأحوال الشخصية.
وحول وضع المرأة في الاردن رأت أن أوضاع النساء لم تشهد تغيّرا يذكر، فالتعديلات الدستورية استكثرت أن ينص على عنصر "الجنس" في المادة السادسة التي تنص على المساواة بين الأردنيين ليترك المجال مفتوحا لانتهاك حقوقهن.
وأوضحت التل أن النساء في بقية مجتمعات الربيع العربي وهي "ليبيا، اليمن، البحرين"، ومع خطف الانتفاضات وتحويلها عن مسارها، يسيطر عدم الاستقرار وصولا إلى ما يشبه الحرب الأهلية على المشهد، ما أعاد نساء هذه المجتمعات إلى مربعهن الأول ليقدمن الكثير ولا أحد يعلم ماذا سينلن.
 وفيما يتعلق بدور الدين السياسي وتأثيره على قضايا النساء قالت التل "لا أرى في الدين السياسي علاقة بقضية النساء التي هي قضية سياسية اجتماعية اقتصادية بامتياز، فالدين في جوهره منظومة أخلاقية شخصية تعمل على ترشيد سلوك الفرد على أساس إيماني قدسي ثابت خاص بالفرد، بينما يخضع حل الإشكاليات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية إلى منظومة دنيوية لا طابع قدسيا لها، من المواضعات المتغيرة، حسب القوى والمصالح، وهنا يبرز التناقض بين المقدس الثابت الفردي، والمتغير الجمعي سياسيا كان أو اجتماعيا أو اقتصاديا.
 وتشير التل التي حصلت على جائزة الدولة التشجيعية في حقل العلوم الاجتماعية "دراسات عن المرأة"، العام 2002، إلى أننا في إزاء ظاهرة شعبية عارمة لها أسسها الذاتية والموضوعية، فهي ليست ثورة بالمعنى العلمي للكلمة، ولكنها سلسلة انتفاضات شعبية جاءت نتيجة تراكم الشعور بالقهر، والمعاناة في ظل وجود عميق وخانق للدولة الأمنية، وسيادة واسعة للفقر والبطالة، وانتشار الفساد وغياب مشاريع التنمية الحقيقية والواسعة، مع وجود تاريخ نضالي مطلبي للعديد من الفئات "نساء، طلاب، مثقفين، مهنييين، عمال، فلاحين"، بقيادة أحزاب ونقابات أو بدونها.
ورأت التل أن تفسير البعض لهذه الظاهرة بأنها "مؤامرة" صممت منذ وقت بهدف تفكيك الدولة وتقسيم المجتمعات، هو تفسير غير علمي، وينتقص من الروح النضالية الحيّة لدى المجتمعات التي مرت بها هذه الظاهرة، لافتة إلى أن الربيع العربي أطلق العديد من الطاقات الكامنة لدى المجتمعات وخاصة الفئات الأكثر تهميشا "الشباب والنساء" وكانت عابرة لكل التصنيفات المجتمعية المتعارف عليها، "الطبقة الاجتماعية- الاقتصادية، الجنس، الدين، المذهب، الجغرافيا، وغير ذلك"، لافتة إلى أنها بدأت بقوى مجتمعية غير منظمة لم تتبن مسبقا أي ايديولوجيا، إلا أنها فتحت الطريق للأحزاب والهيئات المجتمعية المنظمة الأخرى للحاق بها.
وأضافت التل أن هذه الظاهرة وبالنتائج التي حققتها ورغم عدم تماثلها، كانت من الظاهرات الاجتماعية السياسية الأكثر تعرضا للسرقة، وخاصة في المجتمعات التي استطاعت إسقاط الأنظمة أو رؤوسها على الأقل "تونس مصر والى حد ما اليمن"، اذ قام بهذا الدور بعض الأحزاب والقوى السياسية وخاصة المنتمية للتيار الديني التي التحقت بالميادين، ونجحت إلى حد كبير في تصدر المشهد على حساب القوى الفاعلة الأساسية، وخاصة الشباب والنساء وشاركت بعقلية "المحتال الذي سعى ويسعى إلى اقتناص الفرصة للوصول الى السلطة"، كما قال المفكر عبد الإله بلقيز.
ورأت التل أن ما حصل اختطف المسار السلمي في مجتمعات مثل "ليبيا وسورية" ليتم تحويل هذا الربيع إلى عصر جليدي يشبه الحرب الأهلية بأبعاد مناطقية ومذهبية وقبائلية "ليبيا، سورية، ومرة أخرى اليمن"، في حين حافظت الانتفاضة في البحرين على مسارها السلمي، لكنها سارت وعلى نحو أعمق باتجاه التمذهُب الديني.
 وشددت التل على انه بكل الأحوال لا يمكن اعتبار ظاهرة ما سمي بـ"الربيع العربي" بصفتها "سلسلة انتفاضات شعبية ذات خصوصيات محلية"، ثورات ناجزة، لكنها امتلكت عدة سمات يمكن الاستفادة منها والبناء عليها مع إدراك مخاطر بعضها بالضرورة، ومن هذه السمات: إعادة تأكيد أهمية ودور الطاقة الهائلة لدى قطاعات واسعة من المجتمع وأبرزها الشباب والنساء، وضرورة تنظيمها وتأطيرها، وتأكيد هشاشة شعارات أنظمة الدولة الوطنية، فكل ما كان يتم التغني به من شعارات، سقط، ليظهر الوجه الحقيقي البشع للعديد من أمراض الثقافة المجتمعية.
وقالت التل إن ما نشهده اليوم من تمظهرات للأصولية التكفيرية والمذهبية والقبلية والمناطقية والإرهاب على تنوع أشكاله وممارساته، ما هو إلا حقيقة واقعة، أنتجها الاستثمار الشرير لعناصر معادلة الفقر والجهل، المنجز الرئيس لهذه الدول، والذي أعاد هذه المجتمعات الى عصر ما قبل الدولة بخطاباته البائسة، وكان لا بد لهذه المجتمعات من هذه الخضات القوية لتظهر على السطح كل هذه الأمراض القاتلة، رغم قسوة هذا الظهور ودمويته، ليتم التعامل معها بقوة ووضوح من دون السقوط تحت تأثير الشعارات الطنانة التي طالما اتخمنا بها.
وأشارت التل إلى دور وسائل الأعلام الحديثة وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، مشيرة إلى أهمية الانتباه إلى ضرورة الاستفادة الرشيدة من معطيات التقدم العلمي هذه، خصوصا الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، فبقدر ما يمكن لها أن تكون وسائل مساعدة على الحشد والتنظيم ونقل المعلومات، بقدر ما يمكن لها أن تكون وسائل تضليل وتخريب، وليس أدل على ذلك من قدرتها على فرض الرموز وتغييبها أن شاءت، فهي بكل الأحوال وسائل ليست محايدة بحكم ملكيتها وسياسة رأس المال
 المشغل لها.

azezaa.ali@alghad.jo

التعليق