هاني البدري

التعليم الطبي في الأردن

تم نشره في الخميس 6 آذار / مارس 2014. 01:00 صباحاً

مرة واحدة و(بقدرة قادر) أُسدل الستار عن واحدة من أكثر أزماتنا أثراً وتأثيراً على مستقبلنا، تلك الأزمة التي ظلت تُعَالَجُ على مدى السنين بإخفائها تحت أطراف أقرب سجادة تطؤها أقدامنا، والتعامي عنها باستبعادها عن خطط التنمية.. تلك هي أزمة التعليم ومخرجاته التي فجرتها تصريحات وزير التربية والتعليم وكوارث التوجيهي ومن ثم التعليم العالي الذي لا تقل فيه مستويات الأمية والتخلف التعليمي، عن تلك التي أعلنها وزير التربية حول الصفوف الأساسية الأولى بمدارسنا.
مع المستويات التعليمية والتحصيلية والثقافية المتدنية التي يدخل بها طلابنا إلى الجامعات، والمعدلات الفلكية التي يتحصلون عليها في امتحان الثانوية العامة، ما يزال التحدي الأبرز الذي يواجه مستقبل البلد هو المنتج الجامعي الذي من المفترض أن يحرك سوق العمل، ويلبي احتياجاته، لكنه بالكاد يفعل، كما أنه فَقَد القدرة على المنافسة لدخول أسواق عمل جديدة.
هذا ما تؤكده الآن عدم قدرتنا على تصدير قوى متعلمة ذات مستويات منافسة ومعايير مضافة، إلى سوق العمل العربي كما كنا في السابق، حين سيطرالمعلم الأردني وكذا المحامي والمهندس والطبيب على أسواق خليجية وعربية لسنوات.
وسط هذا المشهد المحبط، تعلن عدة جامعات رسمية أردنية تعاني أصلاً، الأمَرَينْ، من جراء عجزها المالي وديونها وتدني مستويات الدعم الحكومي لها، عن إدخال تخصص الطب لكلياتها بدون النظر إلى أن هذه النوعية من التخصصات العلمية الحساسة تحتاج لأكثر من الحماسة غير المبررة، والنظرة إلى كم الرسوم ومستويات الأرباح التي ستجنيها هذه الجامعات.
وقبل أن تُقدم الجامعات الرسمية على هذه الخطوة بدراسات مُسَطَحة لا تُبرز إلا جداول تُظهر حجم الأرباح المتوقعة وأسعار الساعات المعتمدة، دون أي دراسة لواقع البنى التحتية اللازمة لمثل هذه الخطوة.. على صاحب القرار أياً كان، والحديث هنا بالدرجة الأولى لوزير التعليم العالي أن يرحم الطب عموماً والقطاع الطبي في الأردن من هذه الخطوة، التي تضمن بغياب كل الاحتياجات والبنى التحتية والتدريبية، جيلاً طبياً يضاف إلى أجيال الأمية التي تخرجها جامعاتنا في تخصصات أخرى.
تَذكُرُ الحكومة جيداً، حين رفضت لأسباب شخصية بحتة، لدى بعض وزراء التعليم العالي، فتح الباب لجامعات طبية خاصة قادرة على توفير هذه البنية التحتية وبناء المستشفيات التدريبية وتجهيز كافة الاحتياجات الفنية والأكاديمية والكوادر التعليمية والعلمية، وأعطتها لمستثمر عربي فشل في الحصول على الاعتمادية، حين رفض توفير المستشفى التدريبي، واتجه الآن لإعلان الجامعة للبيع بأرقام فلكية تعكس الروح التجارية البحتة التي تتحكم بمشاريع بهذه الأهمية وبذلك الحجم.
طبعاً.. الإفرنجي وعقدة الخواجا مرة أخرى.. التي دفعت الحكومة لاستبعاد مشاريع أردنية خالصة وخاصة وكبيرة يمكنها ضمان أفواج من خريجي الطب المميزين واستبدالها بتجار لا يأبهون لا للطب ولا لخريجين ولا لمستقبل.
المهم أن هؤلاء الخريجين الجدد الذين سيمرون عبر بوابة الكليات الطبية الجديدة في الجامعات الأردنية سيؤثرون بأمية جديدة وبعدم مقدرة وغياب كامل للتدريب، على القطاع الطبي الأردني الذي ما يزال أكثر القطاعات التي حققت نجاحات على مستوى الأردن، وأسهمت بشكل كبير في تطوير السياحة العلاجية الأردنية على مستوى العالم.
أخرِجوا الطب من خططكم وسعيكم الحثيث نحو تسديد ديون جامعاتكم وسد عجزها مع غياب كامل لبحثها العلمي.. فأرقام الديون والعجز في الجامعات الرسمية التي تجاوزت ثلاثمائة مليون دينار تدق ناقوس الخطر من جديد حول واقع جامعاتنا وبالتالي حقيقة انحدار مخرجاتها ومنتجها الأكاديمي.
وإذا كنا قد حققنا إنجازاً طبياً رفيعاً خلال السنوات القليلة الماضية فعلينا أن ندرك أن هذا الإنجاز لا يمكن استمراره دون ضخه بقدرات جديدة تستطيع الخوض بمستويات طبية كبيرة وسط منافسة تحتدم كل يوم.

 

hanibadri@

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اصبت (د. محمد)

    الخميس 6 آذار / مارس 2014.
    الرجاء ... المزيد من مثل هذه المقالات...التعليم العالي في الاردن...وفي الاخص الطبي منه....يعاني......ينحدر...يحتضر...
  • »كفيت و وفيت دكتور (نور)

    الخميس 6 آذار / مارس 2014.
    ﺃﺧﺮِﺟﻮﺍ ﺍﻟﻄﺐ ﻣﻦ ﺧﻄﻄﻜﻢ ﻭﺳﻌﻴﻜﻢ ﺍﻟﺤﺜﻴﺚ ﻧﺤﻮ
    ﺗﺴﺪﻳﺪ ﺩﻳﻮﻥ ﺟﺎﻣﻌﺎﺗﻜﻢ ﻭﺳﺪ ﻋﺠﺰﻫﺎ ﻣﻊ ﻏﻴﺎﺏ ﻛﺎﻣﻞ
    ﻟﺒﺤﺜﻬﺎ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ .. ﻓﺄﺭﻗﺎﻡ ﺍﻟﺪﻳﻮﻥ ﻭﺍﻟﻌﺠﺰ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺎﺕ
    ﺍﻟﺮﺳﻤﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺠﺎﻭﺯﺕ ﺛﻼﺛﻤﺎﺋﺔ ﻣﻠﻴﻮﻥ ﺩﻳﻨﺎﺭ ﺗﺪﻕ
    ﻧﺎﻗﻮﺱ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻣﻦ ﺟﺪﻳﺪ ﺣﻮﻝ ﻭﺍﻗﻊ ﺟﺎﻣﻌﺎﺗﻨﺎ
    ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﺍﻧﺤﺪﺍﺭ ﻣﺨﺮﺟﺎﺗﻬﺎ ﻭﻣﻨﺘﺠﻬﺎ ﺍﻷﻛﺎﺩﻳﻤﻲ.
    ﻭﺇﺫﺍ ﻛﻨﺎ ﻗﺪ ﺣﻘﻘﻨﺎ ﺇﻧﺠﺎﺯﺍً ﻃﺒﻴﺎً ﺭﻓﻴﻌﺎً ﺧﻼﻝ ﺍﻟﺴﻨﻮﺍﺕ
    ﺍﻟﻘﻠﻴﻠﺔ ﺍﻟﻤﺎﺿﻴﺔ ﻓﻌﻠﻴﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﺪﺭﻙ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﻧﺠﺎﺯ ﻻ
    ﻳﻤﻜﻦ ﺍﺳﺘﻤﺮﺍﺭﻩ ﺩﻭﻥ ﺿﺨﻪ ﺑﻘﺪﺭﺍﺕ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ
    ﺍﻟﺨﻮﺽ ﺑﻤﺴﺘﻮﻳﺎﺕ ﻃﺒﻴﺔ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﻭﺳﻂ ﻣﻨﺎﻓﺴﺔ
    ﺗﺤﺘﺪﻡ ﻛﻞ ﻳﻮﻡ ” احسنت ما في اي تعليق بعد مقالك و اللي عن قضية هامة لا يمكن التغافل عنها اكثر.