"يوميات شهرزاد": حكايات لنساء معنفات

تم نشره في الاثنين 10 آذار / مارس 2014. 01:05 صباحاً - آخر تعديل في الاثنين 10 آذار / مارس 2014. 10:09 صباحاً
  • مشهد من فيلم "يوميات شهرزاد"-(أرشيفية)

إسراء الردايدة

عمان- في "يوميات شهرزاد" حكايات لنساء لبنانيات سجينات، مقيدات معنفات، لكنهن في الوقت ذاته أمهات وسيدات، لهن أحلامهن ويمتلكن مشاعر، ويواجهن ظلم المجتمع من جهة والاضطهاد الذكوري من جهة أخرى.
الفيلم الوثائقي "يوميات شهرزاد" لمخرجته زينة دكاش، افتتح أول من أمس عروض "أسبوع فيلم المرأة" بدورته الثانية برعاية وحضور سمو الأميرة بسمة بنت طلال سفيرة النوايا الحسنة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة.
أسبوع فيلم المرأة الذي انطلق في مسرح الرينبو، يستضيف 16 فيلما من 15 دولة، تناقش آمال وتطلعات النساء حول العالم برؤى مختلفة.
أما "يوميات شهرزاد"؛ فهو فيلم يدور في ثمانين دقيقة، يستعرض روايات وقصصا مختلفة لسجينات في سجن بعبدا اللبناني، ولكل قصة باختلاف جريمتها ارتباط مباشر بعنف أو اضطهاد أو سوء معاملة تعرضت له كل سيدة فيهن.
"مجرمات" ربما في نظر القانون، لكنهن معنفات، مهزوزات متألمات، باحثات عن الحنان والأمان ربما، وحتى عن الأكل، ولكن كلهن سقطن في براثن ذكورية تعاني من أمراض مختلفة، جراء معايير مجتمعية منحته الحق في القيادة والسيطرة على حساب إنسانية كل واحدة منهن.
والفيلم برمته هو امتداد لمسرحية "شهرزاد ببعبدا"، حيث وظفت الدراما كعلاج من قبل المخرجة زينة دكاش، وهي ليست التجربة الأولى، بل سبقتها واحدة في العام 2009 من خلال فيلم "12 لبناني غاضب" في سياق علاج السجناء بالدراما.
تفاصيل الفيلم الذي صور داخل السجن، هي جزء من برنامج لجميعة "كثارسيس"، حيث تم تصوير الفيلم داخل سجن بعبدا أثناء وبعد انتهاء مشروع العلاج بالدراما، والمسرحية "شهرزاد ببعبدا" التي اشتغلت عليها المخرجة والمعالجة بالدراما زينة دكاش على مدار عشرة أشهر في العام 2012. ويهدف برنامج "العلاج بالدراما" إلى حماية الإنسان وإعادة الاعتبار لكرامته المهدورة، ودمج السجينات في المجتمع.
القصص الواقعية التي طرحتها سجينة في سجن بعبدا، تعكس ذلك الظلم والقهر والاضطهاد الذي عانته بسبب زوج، أب وحتى حبيب، لينتهي بها المطاف لأن ترتكب جريمة قتل أو تصبح مدمنة مخدرات وحتى تعاقب وتسجن ظلما أو تدخل في علاقات محرمة.
نساء يرين في أنفسهن مجرمات منذ اللحظة التي ولدن بها، بسبب نظرة المجتمع لهن وتجريمهن؛ حيث اشتغلت دكاش على ملاحقة قضايا المرأة في المجتمع اللبناني والقضايا التي تصنف بقضايا المرأة في المجتمع الذكوري.
ويعكس العمل بكل صدق قصصا يصادفها الفرد بحياته اليومية وكأنها حدث عادي مثل زواج الفتاة بسن 12 عاما لتقع في علاقة غير متكافئة في زواج لا تعرف فيه ماذا تفعل ولا تعي ماذا يحدث معها، وحين تنال نصيبها من الضرب وتتجه للسلطات لا تجد حماية، ليكون الحل أمامها هو الهروب للشارع.
واللافت للنظر أن من أبرز أسباب اعتقال هؤلاء النسوة هي قتل الزوج، إدمان المخدرات، الهرب من ظلم الزوج بعد ضربه لها، وفي كل حكاية تكشف كل واحدة منهن ندمها وحلمها بحياة طبيعية، وفي الوقت ذاته لومها لوالديها في المرتبة الأولى ولمجتمع جعل منها مجرمة بعد أن كان هو من أجرم بحقها، خصوصا فيما يتعلق بالعنف الأسري.
والجميل بالفيلم هو الروح التي حملتها هؤلاء السجينات، فهن في نهاية المطاف أمهات ولكل واحدة منهن طفل تتمنى أن تحضنه، وبعضهن موقوفات بدون أن يتم البت في قضيتهن، حيث أطلقن العنان من خلال العلاج بالدراما لكل مشاعرهن بصدق بعيدا عن التصنع مطالبات بالمساواة.
وجاء عرض الفيلم في إطار الاحتفال بيوم المرأة العالمي الذي صادف الثامن من آذار (مارس)، ليكون مؤشرا قويا على مشاكل المرأة في مجتمعات العالم بين قضايا التحرش والعنف الأسري.
وكان الفيلم قد حاز على جائزة الاتحاد الدولي للنقاد (فيبريسكي)، وشهادة التقدير ضمن مسابقة "المهر العربي للأفلام الوثائقية" في العام 2013.
الفيلم يترك في المخيلة واقعا لا يمكن نسيانه، ويكمن في الحساسية من البنية الذكورية، والحاجة لمراجعة كل القوانين المكتوبة وحتى تلك التي ترتبط بالمجتمع نفسه وممارساته التي منحت الذكورة سطوة منذ الأزلية.
فالعمل يجول في كواليس السجن بكاميرات وتمرينات تشهد تساقط دموع، وغضبا وضحكات، من خلال أجواء تعكس الثقة والألفة التي اكتسبتها دكاش لتسقط كل الحواجز النفسية وتسقط الأقنعة عن كل سجينة، لتجد وراءها شخصا مختلفا تماما، كان ليكون فردا إيجابيا وذا تأثير كبير للمجتمع لو منحت له فرصة بدون أن يتعرضن لذلك العنف والظلم.
وشكل العمل في الحقيقة وسيطا بين السجينات والجمهور، لتقريبه من معاناتهن مع أرشفة شهادات حية ومصارحات أشبه ببوح واقعي، يعكس تلك الحاجة للنظر في كل مجتمع ووضع القوانين اللازمة التي تحد من أي عنف يمارس ضد المرأة ويحميها من بلوغ حد الجريمة.

التعليق