الخريطة السياسية التركية على أبواب الانتخابات المحلية

تم نشره في الثلاثاء 11 آذار / مارس 2014. 05:41 مـساءً - آخر تعديل في الثلاثاء 13 أيار / مايو 2014. 05:59 مـساءً
  • مشهد من الاحتجاجات التي شهدتها تركيا في عهد حكومة أردوغان-(أرشيفية)

الغد- تشهد تركيا نهاية هذا الشهر أهمّ انتخابات محلية فيها منذ عقود؛ فقد جعل منها احتدام الصراع بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وأحزاب المعارضة انتخاباتٍ مصيريةً هذه المرَّة، بعد أن جرت العادة بأن تكون هذه الانتخابات أقلَّ الانتخابات شأنًا في تركيا، وخصوصًا أنّ أحزاب المعارضة تستنفر كلَّ جهدها وقدراتها لاستغلال متاعب العدالة والتنمية؛ حتى تُنهيَ استئثاره بالحكم الذي استمرّ ثلاث دورات انتخابية.
وقد أعلنت الهيئة العليا للانتخابات التركية أنّ 25 حزبًا سياسيًّا ستتمكَّن من المشاركة في الانتخابات المحلية المقبلة المقررة في الثلاثين من شهر آذار (مارس المقبل). ويتربع على عرش هذه الأحزاب "الأربعة الكبار" المتمثِّلة بالأحزاب المشَكِّلة للبرلمان الحالي؛ بدايةً بصاحب الأغلبية النيابية الحاكم حزب العدالة والتنمية ذي التوجّه اللبرالي الإسلامي الذي يملك 320 مقعدًا في البرلمان من أصل 550 مقعدًا، يليه حزبُ الشعب الجمهوري الذي يُعَدُّ وريث الأيديولوجية الأتاتوركية القومية، ذو الـ134 مقعدًا، ثمّ حزب الحركة القوميّة التركيّة ذو التوجُّه القومي اليميني، وهو يملك 52 مقعدًا في البرلمان الحالي، وأخيرًا حزبُ السلام والديمقراطية الذي يصنَّف حزبًا مؤيّدًا لحقوق الأكراد، ذو الـ 26 مقعدًا.
وعلى العكس من الانتخابات العامَّة، تتميز الانتخابات المحلية في تركيا بإفساحها مجال المنافسة للأحزاب الصغيرة والمستقلين؛ إذ تنص المادة 127 من الدستور التركي على أنّ الأحزاب التي لا تحظى بنسبة 10 في المئة من مجموع أصوات النّاخبين لا يحقُّ لها أن تدخل البرلمان، وعلى أنّ كتلة الأصوات التي جمعتها تُوزّع بالتّساوي بين التيارات السياسيّة التي بلغت تلك العتبة؛ وهو ما يجعل تشيكل البرلمان التركي مقتصرًا على عدد محدود من الأحزاب يتراوح في العادة بين اثنين وأربعة أحزاب.


تأثير الصراع بين غولن وأردوغان في الانتخابات المحلية

إنّ العامل الجديد المؤثِّر في هذه الانتخابات هو دخول جماعة الخدمة التي يتزعمها رجل الدين المعروف "فتح الله غولن"، بوصفها تجمعًا انتخابيًّا غير رسمي في مواجهة الحزب الحاكم؛ فلئن لم تكن هذه الجماعة على القوائم الحزبية المعلنة التي ستدخل الانتخابات، فإنها تملك تأثيرًا في مجرياتها بالنظر إلى دورها الكبير اجتماعيًّا، وتربويًّا، وإعلاميًّا، حتى أنّ مدار المراهنة بين أحزاب المعارضة يكاد يكون على تأثير الصراع بين غولن وأردوغان في نتائج الانتخابات المحلية.
لقد قدَّمت جماعة فتح الله غولن الدعم لحزب العدالة والتنمية، في الانتخابات السَّابقة كلِّها؛ وذلك قبل وقوع الخلاف بينهما. أمَّا في الانتخابات المقبلة فسيتضح خلالها مدى تأثير هذا الخلاف في قدرة العدالة والتنمية على الاستمرار بالفوز، كما كانت عليه الحال في المحطات الثلاث السَّابقة.
تُعَدُّ جماعة "خدمة"، التي نشأت قبل نحو خمسين عامًا، من أهمّ الجماعات ذات الطابع الديني في تركيا. فعلى الرغم من أنها انطلقت في بداياتها من أهداف اجتماعية فإنَّها شهدت تحوّلًا في طبيعة أهدافها وممارساتها؛ ما أدخلها، وإن على نحوٍ غير مباشر، في قلب العمل السياسي.

ويتركَّز أكبر تأثير للجماعة في المراكز التعليمية التي تملكها؛ إذ إنها تدير أكثر من 500 مدرسة في نحو 92 بلدًا، وتملك منظومةً إعلاميةً ضخمةً تشمل محطاتٍ تلفزيونيةً، وصحفًا، وإذاعاتٍ، ومواقعَ إلكترونيةً، ومؤسساتٍ إغاثيةً، إضافةً إلى آلاف معاهد التقوية، ومساكن الطلبة التي أكسبت الجماعة تعاطفًا جماهيريًّا ومدًّا شعبيًّا كبيريْن.
ولقد كان للجماعة، في جهازي القضاء والشرطة، نفوذ وحضور واسعان حاولت استخدامهما في الضغط على حكومة أردوغان؛ لإجبارها على تنفيذ سياسات خاصة بها. لكنّ الحكومة سرعان ما تصدَّت لهذه الضغوط، وبدأت بتنفيذ إجراءات للحد من هيمنة "الجماعة"، وكان ذلك في شكل "حملات تطهير" طالت مُناصريها، وهو ما قابلته الجماعة بتصعيد وصل إلى حدِّ العمل على إسقاط الحكومة، وبناء تحالفات جديدة مع التيارات العلمانية والمعارضة.
وتدلّ الإشارات الصادرة عن حزب العدالة والتنمية على أنه غير مهتم بتصعيد العداء مع الجماعة على عتبة الانتخابات المحلية، بل إنه يدعوها إلى العمل في الساحة السياسية التركية بحسب أصول العمل السياسي الدستورية، كما أنه يدعو شباب الجماعة إلى مطالبة زعيمهم فتح الله غولن بالعودة من أميركا، والقيام بنشاطه الاجتماعي والسياسي من داخل تركيا؛ حتى تكون الجماعة مستقلةً، وغير خاضعة لتأثيرات خارجية.
كما يسعى الحزب الحاكم إلى الحؤول دون تشكُّل تحالفٍ مصلحيٍّ بين الجماعة الدينية والأحزاب المعارضة العلمانية بطريقة تؤثِّر في نتائج الانتخابات المقبلة، في ظلّ تكهنات عن أنّ الجماعة ربما تتجه لعقْد اتفاق مع "حزب الشعب الجمهوري" ودعمه في الانتخابات المقبلة. وإنّ القلق من هذا الاحتمال هو ما دعا رموز حزب العدالة والتنمية إلى إصدار رسالة تحذيرية توجَّهوا بها إلى أنصار الجماعة، وطالبوا فيها بتجاهل أيّ دعوة إلى التصويت لمصلحة الأحزاب العلمانية، حتى لو صدرت من قادة الجماعة، كما أنهم حذَّروا من تمكين الأحزاب العلمانية من استغلال وسائل الأعلام التي تملكها الجماعة في ما يتعلَّق بتشويه صورة حزب العدالة والتنمية، أو التحريض على الحكومة قُبيل الانتخابات.
هذ الأمر هو ما دعا غولن، في حوار له مع صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، إلى نفي إمكان مفاده قيام جماعته بدعم حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات المقبلة؛ من خلال قوله: "لم يسبق لنا أن كوَّنا أيَّ تحالف أو شراكة مع أيِّ حزب أو مرشَّح، فدعمُنا أو انتقادنا كان دائمًا للقيم والمبادئ. مثل هذا التحالف الذي تتحدثون عنه لن يكون في المستقبل أبدًا".
إنّ تبنِّي حزب الشعب الجمهوري قيمًا معاديةً للتوجهات الإسلامية، في الدولة والمجتمع، تجعل التحالف العلني معه، بالنسبة إلى جماعة غولن، أمرًا صعبًا، حتى لو كان الهدف تحقيق غايات سياسية محددة مثل إسقاط حكومة العدالة والتنمية؛ لأن الخلفية الفكرية والتاريخية لحزب الشعب الجمهوري تجعل شباب جماعة الخدمة وأعضاءه غير قادرين عمليًّا على التصويت له. وبحسب آخر استطلاعات الرأي التي نفذتها ثلاث شركات من أكبر الشركات المتخصصة في هذا المجال، فإنّ حزب العدالة والتنمية سيحافظ على تقدُّمه في الانتخابات المحلية المقبلة، مع وجود تراجع طفيف في النِّسب، مقارنةً بنتائج الانتخابات السَّابقة.


التنافس الحزبي في المدن الكبرى

مع اقتراب موعد الانتخابات يسعى حزب الشعب الجمهوري، أقوى الأحزاب السياسية المعارضة، إلى استغلال متاعب الحزب الحاكم والخلاف مع جماعة غولن؛ لوضع حدٍّ لمسلسل فوزه المستمرّ في الانتخابات منذ 12 عامًا. ويُعِدُّ حزب الشعب الجمهوري العدَّة لانتزاع رئاسة بلدية مدينتي إسطنبول وأنقرة اللتين يشكِّل عدد السكان فيهما أكثر من ربع سكان تركيا البالغ 76 مليون نسمة. ولتحقيق هذا الهدف، ضمَّ الحزب رئيس بلدية شيشلي في إسطنبول مصطفى صاري جول إلى صفوفه؛ لخوض الانتخابات على مقعد رئيس بلدية المدينة، وذلك بعد أن طرده بسبب اتهامه بمحاولة السيطرة على إدارة الحزب. ويدخل الحزب الانتخابات، أيضًا، للفوز ببلدية العاصمة أنقرة بمرشَّحه منصور ياواش الذي كان مرشَّحًا في الانتخابات السَّابقة عن حزب الحركة القومية المعارض. وبهذه الترشيحات يحاول الحزب أن يكسب أصوات اليمين في إسطنبول وأنقرة. أمّا حزب العدالة والتنمية فهو يخطط للفوز ببلدية ولاية إزمير التي تُعَدُّ معقلًا أساسيًّا لحزب الشعب الجمهوري. وقد أعلن الحزب ترشيح وزير النقل والاتصالات السَّابق بن علي يلدريم لمنصب رئيس بلدية إزمير، وهو أكثر وزير تولى منصبه في تشكيلات الحزب الوزارية المتعاقبة.
وتتنافس الأحزاب الكبرى الثلاثة على عدد من الولايات؛ مثل أضنة، ومرسين، وأنطاليا، وهاتاي؛ إذ تحظى هذه الأحزاب الثلاثة، في هذه الولايات، بفرص متساوية تقريبًا. ويبلغ الصراع أشدَّه بين حزبي العدالة والتنمية والسلام والديمقراطية في منطقة جنوب شرقي الأناضول؛ إذ يسعى الأول لانتزاع ولاية ديار بكر من الثاني الذي سيبذل قصارى جهده للوصول إلى منصب رئيس البلدية في ولايتي شانلي أورفا وماردين اللتين يحكمهما حزب العدالة والتنمية. أمّا حزب الحركة القومية فهو يهدف إلى المحافظة على حظوظه في الانتخابات خيارًا بديلًا للناخب اليميني، إلى جانب حزب العدالة والتنمية، في الوقت الذي يطمح فيه الحزب الحاكم إلى زيادة فُرص فوزه في ولايات تحت سيطرة حزب الحركة القومية مثل باليكسير، ومانيسا، وإسبرطة.
وهكذا تتمثّل إستراتيجية الأحزاب المتنافسة بسعي حزب العدالة والتنمية للمحافظة على نسبة أصواته الراهنة، وعدم تراجعها إلى أقلّ من 45 في المئة، وسعيه للمنافسة بجدية على بلديات الولايات غير الخاضعة لسيطرته، وانتزاعها من خصومه. أمَّا حزب الشعب الجمهوري فسوف يركِّز على الفوز في إسطنبول، وأنقرة، وغيرهما من البلديات الكبرى، نظرًا إلى ما يحمله ذلك من أهمية تتعدَّى قيمة النتائج الكلية التي سيحرزها في الانتخابات، على أنّ ذلك - في حال حصوله - سيمثّل نكسةً معنويةً كبرى للحزب الحاكم على أبواب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
أمَّا حزب الحركة القومية فسيسعى للمحافظة على وجوده بين الأحزاب السياسية الكبرى في تركيا، وحجْز مقعد أكثر تأثيرًا بين حزبي العدالة والتنمية والشعب الجمهوري إن أمكنه ذلك، من دون الدخول في المنافسة على البلديات الكبرى. وأمّا حزب السلام والديمقراطية فسيعمل على الاستفادة من رفع عدد البلديات الكبرى إلى 30 بلديةً، معتمدًا سياسة الهوية، وشعبيته التي يحظى بها في المناطق التي يقطنها الأكراد بكثافة؛ من أجل الفوز بثلاث بلديات كبرى أو أربع.

النتائج المحتملة

لا شك في أنّ مزاعم الفساد التي ثارت بشأن وزراء في حكومة حزب العدالة والتنمية، وأدَّت إلى تعديل وزاري كبير، في كانون الأول / ديسمبر الماضي، قد تركت أثرها في الناخب التركي؛ ذلك أنّ جزءًا كبيرًا من الناخبين يميلون، عمومًا، إلى القول بوجود فساد في مؤسَّسات الدولة، لكنهم يعتقدون، في الوقت نفسه، أنّ ثمَّة مؤامرةً ما ضدّ الحكومة. على الرغم من ذلك، ومهما ازدادت انتقادات الناخبين لأحزابهم، فإنهم لن يفكروا في الإعراض عن التصويت لمصلحتها ومنْح أصواتهم لأحزاب أخرى، ما لم يؤمنوا بمبادئ ذلك الحزب وأحقيته في الفوز بأصواتهم.
أمّا بالنسبة إلى توجهات أنصار جماعة فتح الله غولن، فإنّ بعض التقديرات تتوقّع ألَّا يزيد تأثيرها في ما مجموعه 3 في المئة من أصوات الناخبين، على الرغم من أنه لا يوجد إحصاء دقيق لعدد أفرادها؛ ما قد يُفقد الحزب الحاكم هذه الأصوات إنْ صوَّت أنصارها لغير مصلحته. لكن هذا الأمر لن يُحدث تغييرًا كبيرًا في خريطة النتائج؛ لأنّ هذه النسبة لن تُخِلَّ بالفارق المحتمل مع الأحزاب الأخرى. وإنّ عدم وجود منافس قوي للعدالة والتنمية سوف يؤدِّي على الأرجح إلى أن يكسب الحزب الحاكم نسبةً كبيرةً من الأصوات، بخاصة في المناطق الكردية؛ بسبب المشاريع التنموية الكثيرة التي نفَّذتها الحكومة في تلك المناطق، وبسبب حزمات الإصلاح الديمقراطية التي استفاد منها الأكراد، أيضًا، على وجه الخصوص، فضلًا عن "عملية السلام" التي أوقفت نزيف الدم في مناطق الجنوب الشرقي التي تقطنها أغلبية كردية.

* تقدير موقف للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

التعليق