عوز ووضع إنساني مهين في سورية بعد ثلاث سنوات من الصراع

تم نشره في الأربعاء 12 آذار / مارس 2014. 01:01 صباحاً

بيروت  -أدى النزاع السوري الى تدهور الوضع الانساني الى مستويات لم يكن ممكنا تصورها قبل ثلاث سنوات خاصة في المناطق المحاصرة من قبل القوات النظامية، حيث ان بعض السكان باتوا يسدون رمقهم بأطعمة مخصصة للحيوانات، فيما يكتفي آخرون بالقشور والفضلات.
وعلى وقع استمرار العنف، تتكاثر الصور المريعة لاطفال باتوا أشبه بهياكل عظمية، او الاف الاشخاص البؤساء ينتظرون بيأس وصول المساعدات.
وباتت مناطق مثل مخيم اليرموك ومدينة حمص وغوطة دمشق، مرادفا للبؤس والعوز بسبب الحصار الذي يفرضه نظام الرئيس بشار الاسد. وتقول السلطات انها تريد بذلك الضغط على "الارهابيين" (في اشارة الى مقاتلي المعارضة) لاخراجهم، الا ان الامم المتحدة ومنظمات حقوقية مثل منظمة العفو الدولية تتهم النظام باستخدام الجوع "كسلاح حرب".
وفي تقرير نشرته الثلاثاء، حذرت منظمة الامم المتحدة للطفولة (يونيسف) من ان مستقبل 5.5 مليون طفل سوري بات "معلقا في الهواء"، منهم نحو مليون طفل يتعرضون للاذى الاكبر بسبب النزاع.
ونبه التقرير الى "معاناة الأطفال وعائلاتهم العالقين في المناطق الخاضعة للحصار على مدى شهور طويلة، اذ ينقطع اولئك الأطفال عن الاغاثة ويعيشون بين دمار المباني ويعانون للحصول على الطعام"، مشيرا الى ان "الاطفال في تلك المناطق يعيشون بدون أي نوع من الحماية او الرعاية الصحية او الدعم النفسي والوصول المحدود للغاية الى المدارس".
وتعرقل توزيع المساعدات ايضا في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة، مجموعات مسلحة مناهضة للمنظمات الدولية مثل برنامج الاغذية العالمي الذي يؤكد ان خمسمئة الف شخص يعيشون في مناطق يصعب الوصول اليها، لا يتلقون المساعدة الغذائية التي يحتاجون اليها.
وقبل اندلاع النزاع السوري منتصف آذار/مارس 2011، كان مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في جنوب دمشق منطقة شعبية وتجارية يقيم فيها 170 ألف شخص. وتحول المخيم في اواخر كانون الأول(ديسمبر) 2012، الى ساحة معركة، ويخضع منذ حزيران(يونيو) لحصار مطبق.
ويعيش في المخيم حاليا نحو أربعين ألف مدني فلسطيني وسوري في ظروف معيشية مريعة، ويعاني 60 بالمائة منهم على الاقل من سوء التغذية بحسب "العفو الدولية"، فيما توفي أكثر من 120 شخصا جوعا بحسب المرصد السوري لحقوق الانسان.
وهذا ما حدا بكريستوفر غانيس المتحدث باسم وكالة الامم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الاونروا) للقول لوكالة فرانس برس، "تضاف الى قاموس لاانسانية الانسان تجاه اخيه (الانسان) كلمة جديدة هي اليرموك".
وبثت المنظمة مؤخرا صورا وشريطا مصورا يظهرون الآلاف من سكان هذا المخيم المحاصر، تبدو على وجوههم علامات الجوع والتعب، وهم ينتظرون مساعدات الاونروا في شارع تصطف على طرفيه المباني المدمرة.
واضاف غانيس "ان الناس اضطروا لاكل اطعمة مخصصة للحيوانات وهناك نساء توفين اثناء الولادة لعدم توفر العناية" اللازمة.
وتصف منظمة العفو الدولية حصار اليرموك بانه اكثر الحصارات "دموية" في سوريا.
واكدت سحر (56 عاما) المقيمة في المخيم لوكالة فرانس برس عبر الانترنت انها خسرت "20 كيلوغرام" من وزنها منذ بدء الحصار، وهي تعاني اضافة الى ضعفها من نقص السكر في الدم وترقق العظام.
وقالت هذه السيدة التي فقدت زوجها وابنها في اعمال العنف، بتأثر "هذا العوز يشكل اهانة لكرامتنا".
وبالنسبة اليها والى آلاف المدنيين الآخرين، بات تناول وجبة لائقة بمثابة ذكرى بعيدة المنال. وروت "قبل بضعة ايام جلب بعض الجيران باذنجان وارز من ببيلا"، البلدة التي تبعد خمسة كيلومترات عن المخيم.
واستطردت وهي تحبس دموعها "كانت المرة الأولى التي اتناول فيها وجبة منذ اشهر.. شعرت بانني استعيد قواي". اضافت "لقد نسينا تقريبا ما معنى الطهو".
كذلك تعكس شهادات عديدة جمعتها فرانس برس من اليرموك واماكن اخرى الوضع المذل في بلد كان يتمتع قبل بدء النزاع الاكتفاء الذاتي.
واشار جاسم وهو ناشط في اليرموك، الى ان "الناس يموتون في منازلهم ويصبحون طعاما للفئران قبل ان يعلم بهم الجيران".
ومنذ 18 كانون الثاني(يناير)، وزعت الاونروا نحو ثمانية آلاف طرد من المواد الغذائية، لكنها "قطرة ماء في بحر" بحسب الوكالة.
ولا يقل حدة عن ذلك نقص الادوية والبنزين والكهرباء.
ولفت طارق وهو معلم في الغوطة الشرقية التي كانت معروفة بخصوبة ارضها وبساتينها، الى "امور كانت عادية قبل الحصار مثل التلفزيون والتدفئة، لكنها اصبحت الآن من الكماليات".
وقال في اتصال معه ايضا عبر سكايب "ان سعر كيلو الطحين ارتفع من 50 الى 750 ليرة (من 0.30 الى 5 دولارات أميركية)، وليتر المازوت من 20 الى 1700 ليرة (0.13 الى 11 دولارا)".
واضاف طارق الذي يدرس في طوابق تحت الارض خوفا من عمليات القصف على ضوء الشموع ومصابيح الجيب، "اننا نقوم بحفر الابار مثل ايام زمان، لكن المياه فيها ملوثة كثيرا".
وقد فرض الجيش السوري طوقا على بلدات واحياء عدة مثلما حصل في حمص حيث قامت الامم المتحدة باجلاء 1500 مدني خائري القوى في شباط(فبراير).
وفي مطلع آذار(مارس) قالت لجنة التحقيق التابعة للامم المتحدة حول انتهاكات حقوق الانسان في سورية ان "أكثر من 250 ألف شخص يخضعون لحصار في سورية" و"عليهم الاختيار بين الجوع والاستسلام" موجهة اصبع الاتهام الى القوات النظامية، وكذلك الى المعارضين الذين يحاصرون قرى موالية للنظام.
ويضاف هذا الرقم الى حصيلة مريعة اصلا، مع أكثر من 140 ألف قتيل جراء النزاع، وأكثر من تسعة ملايين من اللاجئين والنازحين، وأكثر من 2.2 مليون طفل محرومين من المدرسة، فضلا عن تدمير او تضرر محو 50 بالمائة من مستشفيات البلاد.-(ا ف ب)

التعليق