ثياب أبو مازن الجديدة

تم نشره في الثلاثاء 18 آذار / مارس 2014. 01:00 صباحاً
  • الرئيس الأميركي باراك أوباما والرئيس الفلسطيني محمود عباس في واشنطن أمس - (ا ف ب)

ناحوم برنياع -يديعوت احرونوت

يقول مثل قديم إنه في كل رهان يوجد اثنان وغد وأحمق. ويصح هذا كما يبدو على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. فبشرى الخير هي أن رئيس وزرائنا ليس هو الأحمق في هذا الامر. وأخشى أن تكون هذه هي بشرى الخير الوحيدة.
سيمثل رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن اليوم في البيت الابيض للقاء يفترض أن يلخص تسعة اشهر تفاوض. والتلخيص أعوج إن لم يكن يائسا. فلا يوجد الى الآن اتفاق اطار ولا اطار لاتفاق. والعزاء الوحيد الآن هو أن الطرفين يظهران استعدادا غير صريح للاستمرار على تعزيز التفاوض.
وقد يوجد تنازل صغير هنا وتنازل صغير هناك والشيء الأساسي هو عدم السقوط في الهاوية. وهذا ما أحرزه وزير الخارجية كيري في تسعة اشهر عمل صعب مكثف، وفي اخلاص لا نهاية له منه ومن الفريق الكبير الذي حشده حوله. واستمر الحمل تسعة اشهر وظهر بطن وكان قيء بل كان مخاض. لكن الوالدين فقط علما طول الوقت أن هذا الحمل كاذب.
على حسب تجربة الماضي ستنقسم المنافسة الآن الى لعبتين متوازيتين: لعبة الصيانة ولعبة الاتهام. ففي لعبة الصيانة يهدد أبو مازن بالتوجه الى مؤسسات الأمم المتحدة والحصول من هناك على اعتراف بدولة. وسيتصدع الإطار القانوني الذي يعمل الاحتلال في داخله وتتورط إسرائيل وتُحرج أميركا. ويطلب كيري اليه أن يهدئ الامور لكن أبو مازن يشترط شروطا كتجميد البناء مثلا ويضغط كيري على نتنياهو ليستجيب لذلك، ويقول نتنياهو إن ذلك صعب ويضغط اليمين عليه، وهو في اثناء ذلك يكسب وقتا.
وفي لعبة الاتهام يحاول كل طرف أن يلقي مسؤولية الفشل على الطرف المقابل. أنا اردت اتفاقا وهو لم يُرد. وهذه في ظاهر الامر لعبة بسيطة لكن فيها رقصة تويست آسرة، ففي كل واحد من الجانبين ساسة يهمهم أن تُلقى المسؤولية على طرفهم على الخصوص. وهكذا يبرزون في نظر ناخبيهم أكثر تصميما وأكثر رجولة وأكثر ايديولوجية، كبوغي يعلون مثلا. فقد قال: لا تتهموا أبو مازن فقط فأنا، بوغي، أكثر رفضا منه.
وتُسمع اصوات مشابهة في الجانب الفلسطيني. ولن يسرق أحد لسياسي متعطش الى عنوان صحفي الحق في أن يقول لا؛ ولن يسرق أحد هذا الحق من نتنياهو. كانت صيغته الأساسية في التفاوض "نعم، لكن...". وقد اضطر الى أن يطورها بسبب ارتياب القسم اليميني عنده، فهو الآن يقول "نعم، لكن... لا". وحينما يكون في امريكا يؤكد الـ "نعم"، وحينما يكون في البلاد يؤكد الـ "لا". وهو لا ينسى هنا وهناك "لكن...". إن بيبي هو المتنبئ من قيسارية.
ينحصر الجدل الآن في طلب نتنياهو أن يعترف الفلسطينيون باسرائيل دولة يهودية، وفي رفض أبو مازن فعل ذلك. إن تاريخ هذا الطلب معروف فقد قالت به تسيبي لفني على عهد شارون وكان عملا رمزيا كان يفترض أن يصاحب التوقيع على التسوية النهائية. ولم يوله شارون أهمية إذ كان يؤمن باجراءات من طرف واحد لا باتفاقات، وكان يهمه ما يدبر له الامريكيون لا الفلسطينيون.
وأدرك نتنياهو الطاقة الكامنة ولقد قلنا من قبل إنه بعيد عن أن يكون أحمق، فنقل الطلب من المرحلة النهائية الى المرحلة المبكرة وجعله خطا أحمر كأنه يقول أموت ولا يمر، بل إنه في مرحلة ما اقنع كيري بذلك.
كان أبو مازن يستطيع أن يقول: لا مشكلة أيها الاصدقاء فقد اعترف ياسر عرفات بيهودية دولة اسرائيل بصوته وأنا أسير على أثر معلمي ومرشدي. لكنه سلك سلوك الشرق الاوسط فقال لا أولا وسقط في الفخ. وتبنى اليمين الاسرائيلي بحماسة طلب نتنياهو، وتبنى يمين أبو مازن الرفض بحماسة لا تقل عنها، وكانت تلك ثياب الملك الجديدة التي حاكها نتنياهو لأبو مازن، فلا عجب من أنه جاء الى واشنطن عاريا.
يوجد على شاطيء البحر في تل ابيب رجل عظيم السحر، فهو يضع على سطح مستوٍ مكعبا صغيرا وحوله كؤوس متشابهة. ويبدل كأسا بكأس بسرعة لا مثيل لها ويطلب الى المقامرين أن يخمنوا تحت أية كأس وضع المكعب فيخطئون على نحو عام.
إن من اللذيذ أن تراه يعمل فيداه مشغولتان بالعمل ووجهه يقول إنه صادق وعيناه تفحصان عدم وجود شرطي حوله. ماذا نقول، إنه حرفي. فلو كنت أنت أيها القارئ أو أنت أيتها القارئة هناك لتأثرتما. لكن هل تريدان أن يقرر شخص كهذا مصيركم في الحقب الآتية؟ ليس هذا مؤكدا.

التعليق