"إدوارد سعيد رواية للأجيال".. شخصية قابلة للتأمل أكثر من التأويل

تم نشره في السبت 22 آذار / مارس 2014. 12:00 صباحاً
  • غلاف الكتاب - (أرشيفية)

عزيزة علي

عمان- يشكل المفكر العربي الفلسطيني الأميركي إدوارد سعيد (1 نوفمبر 1935 القدس- 25 سبتمبر 2003)، ظاهرة قابلة للتأمل أكثر منها للتأويل، ففكر سعيد هو ثنائي التركيب يظل مفتوحا على العالم بعيدا عن أحادية المكان أو الزمان، ومن أبرز ملامح هذه الظاهر، بحسب د. محمد شاهين "أنه حول ذاته الفردية إلى ذات جماعية التحمت بفلسطين وقضيتها وارتقت إلى أسمى درجات التمثيل".
ويذكر شاهين، في مقدمة كتابه الصادر عن مكتبة الأسرة الأردنية "القراءة للجميع"، بعنوان "إدوارد سعيد رواية للأجيال"، بمقولة سعيد المشهورة وهي "على كل فلسطيني أن يروي قصته".
قضية فلسطين لم تعد مجرد قضية لاجئين شردوا من ديارهم، ولا قضية حدودها الجغرافية والتاريخية، حيث إنه وضع فلسطين على خريطة العالم ومن خلال معارف الكون التي أصبح فارسها، تحولت على يديه إلى أدوات طيعة تشهد العالم على ما حل بفلسطين من ظلم.
ورأى شاهين أن سعيد بموهبته الخارقة نحت صورة كونية لفلسطين حيث غدت راسخة الأقدام، ثم جعلها تسافر في أرجاء المعمورة مجسدة صورة المظلومين والمقموعين والمشردين والمحرومين والمنفيين، وصورة يمثل الفلسطينيون فيها أنموذجا لضحايا الظلم والقمع والتشريد والحرمان والنفي.
وببراعة استطاع صاحب كتاب "عن النموذج الأخير: الموسيقى والأدب ضد التيار"، وفق شاهين، أن يجعل الصورة تتخطى حدود العرق واللغة والدين والتاريخ والجغرافيا، فعندما كان يسأل سعيد عن حماسه للفلسطينيين كان يجيب بأنه "يتحمس للمظلومين"، مشددا على وقوفه في وجه الظلم ويسافر في سبيل ذلك إلى حيث يسلب الحق ويخيم الظلم بغض النظر عن هوية المظلوم.
ورأى شاهين أن مؤلف كتاب "خارج المكان" نجح في تشييد أقوى جسر تعبره شتى أنواع المعرفة إلى العالم لتؤسس أشمل مغزى لحياتنا فيه، وقد اعتقد بأن لا فائدة ترتجى من المعرفة التي تظل منكفئة على نفسها، وأيقن بأن حياتنا تظل فقيرة دون تفعيل هذه المعرفة والارتقاء بها في سلم الحياة حتى نعيشها ونعايشها في هذا العالم، وتجاوز سعيد حدود المألوف، فإنه اخترق حدود الصمت ليبين لنا أن الصمت لا يعني السكوت عن الحقيقة ولا يعني غيابها، وأنه لا بد لنا من استنطاق الصمت للتنقيب عن الحقيقة. فكما أن اللغة الناطقة ليست بالضرورة أداة للتعبير عن الحقيقة أو الوصول إليها فإن الصمت لا يعني غياب الحقيقة أو تغييبها.
وأوضح شاهين أن الصمت عند سعيد في الموسيقى يتطلب استنطاقا لمعرفة ما وراء الصمت الذي عادة ما يقدم لنا جماليات محسوسة وغير ناطقة بالطريقة التي تنطق بها اللغة مثلا، ويرفض سعيد، وفق شاهين، الفصل بين الجماليات والعالم المعاش الذي تملي علينا الحياة اختباره واختبارنا فيه عمليا، وفقد نجم عن هذا الموقف صداقة حميمة بين سعيد والموسيقار العالمي بارنبويم الذي هجر دولة الاحتلال "اسرائيل"، لأنه أحس بالتناقض القائم بين موقف هذه الدولة من العرب الفلسطينيين ووجود فرقة للأوركسترا فيها تتمتع بشهرة عالمية.
ويبين صاحب كتاب "الثقافة والإمبريالية"، كيف يتم اختراق الظاهر والنفاذ إلى الصمت واستنطاقه من اجل الوصول إلى الحقيقة المسكوت عنها؟ فالإجابة عند سعيد، بحسب شاهين، ان نروي، ونحاول تذليل العقبات التي تعترض فرصة الرؤية، فالرواية، كما يراها سعيد، هي دائما المعول الذي ينفض الركام عن الصمت وينطقه ويخرج الحقيقة من قمقمها ويهيئ لها سبل السفر والانتشار والاستمرار في الحياة، ويتجلى ذلك في مقولة سعيد المشهورة "على كل فلسطيني أن يروي قصته".
يعتبر كتاب "الاستشراق"، كحجر الأساس في حركة ما بعد الاستعمار، وساعد الباحثين غير الغربيين على الاستفادة من المزاج السياسي الصحي في خلق حياة منهجية جديدة ودراسات مهنية ناجحة دون الاعتماد على نتائج الأبحاث الغربية، وقد أثار هذه كتاب والأعمال الأخرى لسعيد طائفة كبيرة من الجدل والنقض.
ورأى شاهين أن سعيد جسد ظاهرة فريدة في انكار الذات، وعاش حياته كلها أنموذجا رائعا قدم فيه نفسه دائما على أنه ذات جماعية قبل أن تكون فردية، مشيرا إلى أن الهم الأكبر كان عند سعيد هو "مقاومة السلطة المتسلطة ومقارعة الهيمنة التي تمارسها هذه السلطة على غيرها من البشر المظلومين"، فهو لا يعبأ بالسلطة المنتصرة التي تحقق هذا الانتصار من خلال القوة والبطش.
وأيقن سعيد مبكرا ان الذات الفردية لا يمكن أن تؤتي أكلا غنيا في الحياة إذا ظلت متقوقعة على نفسها وبعيدة عن المشاركة في الحياة الجماعية مشاركة فعالة، وقد دعم سعيد هذا اليقين عند اطلاعه على فكر كبار المفكرين والمثقفين والفلاسفة أمثال "لوكاش، وغرامشي، وفيكو، وألتوسير" وغيرهم من الذين أدرك سعيد ان نظرتهم تسمو على الفردية المحدودة.

azezaa.ali@alghad.jo

@azezaali

التعليق