منار الرشواني

إحياء الحدود العربية

تم نشره في الاثنين 24 آذار / مارس 2014. 01:06 صباحاً

في "تجربة السجن" الشهيرة في جامعة ستانفورد العام 1971، كان لافتاً أن جميع المشاركين الأربعة والعشرين أرادوا، بداية، تأدية دور السُجناء لا السجّانين؛ مبررين ذلك، جزئياً، في أنهم لا يتصورون أنفسهم بمهنة "سجّان" بعد تخرجهم من الجامعة، بخلاف إمكانية دخولهم السجن مستقبلاً، وبالتالي اعتقادهم أن التجربة قد تشكل فرصة لنيل شيء من الخبرة لمواجهة هذه الوضعية المحتملة.
مع ذلك، لم تلبث التجربة تبدأ، حتى شرع الاثنا عشر مشاركاً الذين وقع عليهم الاختيار لأداء دور السجانين، ممارسة دورهم على زملائهم "السجناء" بمنتهى "السادية"، وإلى الحد الذي أجبر القائمين على التجربة على إيقافها نهائياً في يومها السادس، وهي التي كانت يفترض أن تمتد بين 7 و14 يوماً.
ولعل استحضار هذه التجربة يبدو مفيداً إلى حد ما في الحديث عن الدولة العربية الوطنية (أو القُطرية)، في مواجهة ما يسمى "الأمة العربية". فبعد قرابة نصف قرن على الأقل من إنشائها، لا يبدو ممكناً أو حتى منطقياً إنكار الهوية الوطنية/ القطرية، لا نتيجة لعامل الوقت الطويل نسبياً، مع ما أنتجه من حقائق راسخة بالضرورة، ناهيك عن المكتسبات والمصالح؛ بل أهم من ذلك نتيجة الوعود التي يقدمها البديل "القومي" القائل بـ"الأمة العربية".
فمنذ ازدهاره في فترة جمال عبدالناصر، صار الفكر القومي العربي مرادفاً للاستبداد، بحيث سيتحول هذا الأخير فعلياً إلى العقيدة المركزية لذاك الفكر، والتي لا يجوز المساس بها. أكبر دليل على ذلك أنه على الرغم من إخفاقات الفكر القومي وطنياً وعربياً، على كل صعيد ربما، بسبب الاستبداد أساساً، إلا أن أصحابه لم يفكروا، حتى مجرد تفكير، في مراجعته. بل وازدادت الكارثة استفحالاً مع انفجار الشعوب العربية فيما سمي "الربيع العربي"؛ فكان أن أضاف "القوميون العرب"، في غالبيتهم العظمى، إلى مرتكز فكرهم الراسخ "الاستبداد"، الفساد والحروب الأهلية المقسمة للدول القطرية ذاتها، من خلال تبريرها على الأقل!
لكن إذا كانت الدولة الوطنية/ القطرية وهويتها هما واقع يجب الإقرار به، فإن ذلك لا يعني أبداً الاستسلام له، بل العكس، من حقيقة أن هذا الواقع إنما أصبح -وبما قد يمثل مفارقة- تهديداً للدولة الوطنية/ القُطرية ذاتها؛ إذ لم تعد قادرة على النهوض حتى بالاحتياجات الأساسية لمواطنيها، ليس المادية فحسب، بل ومثلها بالأهمية إن لم تفقها الاحتياجات المعنوية. بعبارة أخرى، فإن العالم العربي يبدو اليوم بحاجة، أكثر من أي وقت مضى على الإطلاق، إلى تلاق وتعاون إقليمي. وهنا يكون السؤال: كيف يمكن حل التناقض القُطري-القومي؟
الجواب ببساطة يتمثل في بعث الحياة في الحدود العربية-العربية، بدلاً من الحديث غير الواقعي والدعائي عن إزالتها. وهذا الإحياء يكون عبر إعمار هذه الحدود بمشاريع تنموية عربية مشتركة، من قبيل تلك الموجودة، مثلاً، بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، أو لربما مشروع الجامعة الأردنية-السعودية المزمع إنشاؤها في مدينة العقبة. فمثل هكذا مشاريع تحفظ خصوصية كل بلد، طالما أن العمال، على تنوعهم، يبقون في بلدانهم؛ مع تعزيز التجارة البينية العربية، وخلق مصالح مشتركة حقيقية وعميقة. وفوق ذلك، تساهم هكذا مشاريع في تنمية مناطق نائية مهملة على الأغلب بشكل طبيعي ومستدام، وليس ارتجاليا أو دعائيا.
باختصار، نحتاج الحدود العربية-العربية، نقاط التقاء قائم على توازن بين الهواجس وبين الطموحات والاحتياجات الملحة التي  تواجه كل الدول العربية بلا استثناء.

 

@rashwanim

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال مهم جداً (علي)

    الاثنين 24 آذار / مارس 2014.
    نحتاج الى خطوات واقعية وتدريجية لتقريب الدول العربية وزيادة التعاون بينها لتحقيق التكامل الأقتصادي كبداية بدل من فرض الوحدة بالقوة واقصاء خصوصاً ان الدول العربية بكثر ما يجمعها هنالك يضاً الكثير ما يفرقها ويجعل العديد من المواطنين مرتابين من فكرة الوحدة السياسية بين ليلة وضحاها! في عام 1950 وبعد الحرب العالمية الثانية أرادت الدول الأوروبية التأكد من عدم تكرار مثل هذه الحروب المدمرة في القارة فأنشئت المنظمة الأوربية للفحم والصلب هدفها أنشاء سوق مشتركة بين الدول الأوروبية وخصوصاً المانيا وفرنسا للفحم والصلب وهما مادتان اساسيتان لان ذلك سوف يجعل الحرب بين تلك الدول أمر مستحيل وقد تحولت هذه المؤسسة الى الاتحاد الاوروبي الذي نعرفه الأن من خلال خطوات تدريجية وبطرق ديمقراطية. لو كنا نعرف مصلحتنا لدرسنا تاريخ الأتحاد الاوروبي بالتفصيل وحاولنا الاستفادة منه بدل من التركيز على الشعارات والاستعراضات الفارغه لكننا للأسف لا نؤمن بالتعاون الحقيقي دون أن يستقوي القوي على الضعيف ولا نؤمن بالحلول الوسط كما رأينا في دول الربيع العربي خصوصاً سوريا.
  • »الاقصاء والالغاء (MUWATEN)

    الاثنين 24 آذار / مارس 2014.
    فكرة القومية العربية لا بل الممارسات التي تمت في الحقب السابقة كانت تنص على الغاء الاخر مثل ايام الوحدة المصرية السورية اعتقد اليوم يجب المطالبة بحرية حركة الاشخاص والاموال والسلع والخدمات بين الدول العربية دون ان يترتب عبيء سياسي على سكان الدولة المضيفة السكن او العمل لا يعني الحقوق السياسية وهذا ما سوف ينهض بالامة ككل والتدرج في العمل العربي المشترك لكي نصل الى فدراليات او كونفدرليات