حقيقة الصراع على أمتنا اليوم

تم نشره في الجمعة 28 آذار / مارس 2014. 01:00 صباحاً
  • مواطنون يؤدون الصلاة في المسجد الحسيني بوسط البلد - (أرشيفية)

أسامة شحادة*

 

تتكالب المصائب والمحن والفتن على المسلمين؛ فهم بين محتل قديم يواصل اضطهادهم وظلمهم، وبين غازٍ جديد يقوم بقصفهم وتفجيرهم وتهجيرهم، وبين طاغية يسومهم الإذلال والإرهاب والقتل والاغتصاب، وبين سارق لخيراتهم وثرواتهم يبقيهم في الفقر والحرمان، وبين مفسد مجتهد في فك وحدتهم وأخلاقهم، وبين خبثاء يخططون للتحريش بينهم وتقسيم مُقسّمهم.
وللأسف، فإن هذه الصورة الحقيقية هي التي تملأ شاشات الإعلام ووسائل التواصل الحديثة. وهي برغم صحتها ووجودها وواقعيتها، إلا أنها ليست كل الصورة!
فالصورة الكاملة هي أن المسلمين، برغم كل هذه المؤامرات والمخططات والسياسات والجرائم والمواقف والتصريحات والمحاولات، صامدون ثابتون، بل هم يتقدمون ويتفوقون. وهذا ما يجعل وتيرة المؤامرات تزداد، والمخططات تتسارع، والسياسات تتصاعد، والمحاولات تتقارب، والمواقف تتأزم، والتصريحات تنفلت من دبلوماسيتها!
أمتنا موعودة بالنصر والتمكين، شاء من شاء وأبى من أبي؛ أمتنا محفوظة لا تموت ولا تفنى حتى تكون القائدة للبشرية. هذا وعد الله عز وجل، ووعد رسوله صلى الله عليه وسلم. والمسلمون يؤمنون بهذا، كما يؤمنون بوجود الله عز وجل.
أمتنا مرت عليها أزمات ومصائب ومحن وفتن لا تقل عما نعيشه اليوم، لكنها بقيت وفني أعداؤها؛ فأين المغول والتتار؟ أين الصليبيون؟ أين محاكم التفتيش في الأندلس؟ أين جيوش الاحتلال؟ كلها مضت وفنيت، ولكن أمتنا بقيت. نعم، أصابها ضعف، لكنها بقيت، فيما اندثر أعداؤها أولئك. وهذا سيكون مصير أعدائها اليوم، والزمن بيننا وبينهم.
أمتنا اليوم في حال أفضل من حالها قبل قرن أو قرنين، حين كاد الجهل والخرافة والشرك والتحلل الديني يطبق عليها، بسبب انتشار بدع ومفاهيم منحرفة. فيما أمتنا اليوم تعلّم نصف جمهورها القراءة، والخرافة والشرك في انحسار بين أبنائها، والالتزام الديني ينتشر بين أهلها.
أمتنا قبل قرنين كانت فقيرة معدمة، واليوم أصبحت أكثر غنى، وأكثر راحة ورفاهية؛ أمتنا كانت لا تملك من أمرها شيئاً، لا فرق في ذلك بين احتكار ذلك زعيم القبيلة أو الدولة أو المحتل، لكنها اليوم تتحرر من ذلك نوعاً ما، وما تزال تسير في هذه الطريق.
أمتنا كانت تبحث عن الحياة فحسب، وهي اليوم تبحث عن هويتها ومجدها ودورها الذي عاشته أكثر من ألف سنة.
هذا التقدم والتحسن النسبيان في أحوال أمتنا، أشعل الأضواء التحذيرية عند أعداء الأمة من الداخل والخارج؛ فهم يريدون أن تبقى أمتنا تابعة لهم، دائرة في فلكهم تحقق مصالحهم لا مصالحها.
فمن كان يسرق خيراتها لا يقبل المطالبة بتحقيق العدل ورد المظالم! ومن كان سبب ثرائه ما يبثه فيها من مفاسد ومضار، كالمخدرات والإباحية، يحارب بكل قوة دعوات الفضيلة والعفة والطهارة! ومن كان يعتدي بسطوته على أبنائها بغير حق، لا يقبل أن يفتح باب القصاص! ومن كان مستفيداً من تحالفه من السلطة الغاشمة، سيجرّم المطالبة بالإصلاح والنزاهة والعدالة التي تعطي كل ذي حق حقه! ومن كان يصادر حقها في إدارة وحكم نفسها، لا يقبل أن تشاركه الأمة على الأقل في النظر في شؤونها! ومن كان يتحكم في أمرها من خارج الحدود، لا يقبل بزوال تأثيره عنها، وسيعرقل كل تصحيح وإصلاح! ومن كان معتدياً ومحتلاً لجزء من أرضها، فسيشيطن كل دعوات التحرير واستعادة الحقوق!
هؤلاء كلهم لا مصلحة لهم في نهضة الأمة، لأنهم يرونها تنتقص من مكاسبهم. وللأسف، فإن هذه النظرة الجزئية والشخصية هي سبب رئيس في إبطاء مسار النهضة، لا تسلم منها فئة أو شريحة، بل وحتى العاملون في حقل الإصلاح تشتبك عند بعضهم المصالح الشخصية بالمصلحة العامة؛ فحيثما اجتمعتا سار ومضى، وحيثما افترقتا أصبح من قوى "الشد العكسي"!
ومن هنا، يجب الوعي بأن تسارع وتيرة محاولات تقسيم خطوط "سايكس-بيكو" من جهة، أو محاولات نشر الإحباط في نفوس الأمة، إنما سببه الرئيس إدراك القائمين على ذلك لتعاظم قوة الأمة، عبر وعي أبنائها، وانتشار المعرفة والعلم والالتزام في أوساطها، بما يهدد مصالح سياسية واقتصادية واجتماعية لقوى نافذة في الداخل والخارج.
وهذا الوعي يجعلنا أكثر ثقة بأنفسنا، وأكثر إصرارا في الاعتماد على ذواتنا في السير على مسار الإصلاح والتصحيح، وأنه المسار الصحيح الذي يوصل الأمة إلى كسب مصالحها الحقيقية.
ومن هنا، يلجأ هؤلاء الخاسرون -في الداخل والخارج- من زيادة الوعي في الأمة واقترابها من نهضتها المقبلة، إلى عرقلة هذا الوعي بدعم مسارات مضللة، ترفع رايات العز والكرامة، ولكنها إما تسير في مسار الغلو والعنف والتطرف، فتجرّ الأمة إلى صدامات لا حاجة لها بها ولا قوة لديها عليها، كتنظيم القاعدة الذي يحصل على رعاية خفية تبقيه حياً ليبرر عدوان القوى الخاسرة في الداخل والخارج على مقدرات الأمة؛ وإما السير في مسار التفريط والتهاون بحجة عدم القدرة على الصمود والتحدي، وتبقى تتراجع دوماً للوراء حتى يضيع حق الأمة بالكامل.
ما نحتاجه اليوم هو أن نكون أبناء إيجابيين في الأمة، نثق بوعود الله عز وجل لها بالعز والتمكين، ونثق بأنها تسير على الطريق الصحيحة، ونسعى واعين لفحص تجارب الماضي، وخاصة تجارب العمل الإسلامي والوطني، لتجنب الأخطاء المتكررة -بسبب القيادات المتكلسة- التي أضاعت الكثير من الفرص وأطالت الطريق. وسلاحنا في هذا الوعي؛ العلم الصحيح بالدين والدنيا، وسلامة منهج التفكير، وحسن الخلق، والإخلاص لله عز وجل، وامتلاك المهارات اللازمة لنصرة قضايا الأمة في المجالات المتنوعة.

*كاتب أردني

التعليق