خمسة مفاهيم خاطئة عن التدخل في ليبيا

تم نشره في الجمعة 28 آذار / مارس 2014. 01:00 صباحاً
  • ثوار ليبيون يحتفلون بالإطاحة بنظام زعيمهم السابق معمر القذافي - (أرشيفية)

رفائيل كوهين، وغابرييل شينمان* - (ذا ناشيونال انترست) 19/3/2014

 

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني


ثلاثة أعوام مرت على بدء العملية العسكرية الغربية ضد نظام العقيد معمر القذافي، وينظر باستمرار إلى أن حرب "ليبيا" كانت صحيحة. فقد كانت سريعة، ورخيصة، وناجحة ونفذها حلفاؤنا بشكل رئيسي. وفي التوابع المباشرة أطرى عليها باعتبارها "أنموذجاً للتدخل" المبعوث الأميركي في حينه لدى الناتو، أيفو دالدار، والقائد الأعلى للقوات المتحالفة الأدميرال جيمس ستافيديس. وحتى بعد الهجوم الإرهابي في بنغازي، أكد الرئيس أوباما بافتخار: "لقد استطعنا من دون إقحام قواتنا على الأرض وبكلفة أقل مما أنفقناه في أسبوعين في العراق -تحرير بلد كان تحت نير الدكتاتورية لمدة 40 عاماً، وتخلصنا من مستبد كان قد قتل أميركيين". ورغم تشخيص الرئيس، فإن ليبيا ما تزال اليوم مظللة بجملة من المفاهيم المغلوطة.
1. ليبيا كانت عملية أوروبية
بما يتناقض مع المفهوم السائد، كانت الولايات المتحدة هي رأس الحربة في العملية الليبية؛ إذ قامت صواريخ كروز الأميركية بتحييد الدفاعات الجوية الليبية، وأتاحت المجال أمام عمل المقاتلات الأوروبية للطيران من دون مواجهة التحدي، كما نقل الأميركيون ثلاثة أرباع صهاريج الوقود اللازمة لتنفيذ 100 طلعة جوية في اليوم، وقدمت الولايات المتحدة بهدوء ذخائر موجهة بدقة عندما نفدت الإمدادات لدى البلدان الأوروبية في وقت مبكر من الحرب. وبالإضافة إلى ذلك، ووفق ما ذكرته صحيفة الغارديان، فقد قدمت الولايات المتحدة 8507 من أصل 12909 جنود ممن انخرطوا في الحرب، و153 من أصل 309 من الطائرات الملتزمة، و228 من أصل 246 صاروخ "كروز" التي تم إطلاقها. ووفق كلمات دالدار وسترافيديس الخاصة، فإن المساهمة "المنخفضة" كانت "حاسمة وغير قابلة للاستبدال" مع ذلك، وكان الهدف هو "تمكين حلفاء وشركاء آخرين من المشاركة بشكل كامل في العملية" من دون السماح لهم بالقيادة بدلاً من واشنطن.
2. عملية ليبيا كانت رخيصة الكلفة
ربما يكون الرئيس قد صنف الحرب على أنها أقل تكلفة من أسبوعين من العمل في العراق -تقريباً 1.65 بليون دولار من دون فقدان أرواح أميركية- لكن الكلفة الإجمالية للحرب وتداعياتها أعلى بما لا يقاس. أولاً، ما يزال الإنتاج الليبي من النفط والغاز الذي يشكل 96 % من إجمالي العائد الحكومي أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب. وكانت ليبيا تنتج في المعدل ما يصل إلى 1.65 مليون برميل في اليوم من النفط الخفيف عالي الجودة والخام الحلو قبل الحرب، في مقابل إنتاج 230.000 برميل يومياً في الوقت الراهن، بينما تسببت فيه الاحتجاجات التي نظمتها الميليشيات احتجاجاً على توزيع العوائد في نشوء فوضى عارمة ألقت بثقلها على صناعة الطاقة. وفي الأسبوع الماضي وحسب، وبعد طرده لفشله في وقف التصدير المستقل للنفط من جانب الثوار الشرقيين، هرب رئيس الوزراء الليبي، علي زيدان، طالباً اللجوء في أوروبا. ثانياً، ومن دون وسائل فعالة لتأمين ما بين خمسة عشرة إلى عشرين ألف نظام صاروخ دفاع جوي تعود للحقبة السوفياتية كانت بحوزة القذافي، وجدت هذه الأسلحة طريقها إلى صراعات إقليمية أخرى. ومن المرجح أن تكون مسؤولة عن إسقاط طائرة الهيلوكبتر المصرية العسكرية في سيناء، كما تستخدمها المجموعات المتشددة في عموم المنطقة. وفي إطار أوسع، وجد المتطرفون المدربون في ليبيا طريقهم إلى الصراعات الأخرى، امتداداً من سورية إلى مالي.
فوق كل شيء، وبينما يظل التدخل في حد ذاته "رخيصاً"، فإن إراقة الدماء لم تتوقف عند مقتل القذافي. وبينما لم يمت أي جنود أميركيون خلال العملية، فقد قتل أربعة من دبلوماسيي السفارة الأميركية، بمن فيهم السفير، خلال هجوم شُن على القنصلية الأميركية في بنغازي في شهر أيلول (سبتمبر) من العام 2012. وفي العامين الماضيين، قتل نحو 1200 ليبي في اشتباكات عنيفة واغتيالات سياسية. وتظل كلف الفوضى عالية جداً.
3. ليبيا كانت طريقة جديدة للحرب
على الصعيد العملي، انطوى المشروع الليبي على الكثير من العوامل المشتركة مع حملات عسكرية سابقة. فقد فرضت مناطق حظر للطيران، ظاهرياً لمنع الأنظمة من ارتكاب مجازر في العراق والبوسنة في التسعينيات. وبعد أعوام قليلة، تدخلت الولايات المتحدة لمنع ذبح المسلمين في البلقان. وحتى في الأعوام الأولى من رئاسة بوش، كانت المحطات المبكرة من أفغانستان قد أضفت الصلاحية أصلاً على القوة الجوية التكتيكية مجتمعة مع فرق عمليات خاصة صغيرة وقوات أصيلة ضخمة تستطيع الإطاحة بالأنظمة الضعيفة.
سياسياً، لم تكن عملية فجر الأوديسة ولا لاحقتها إبداعيتين أيضاً. فقد كان ائتلاف ليبيا في الحقيقة مصغراً لما يدعى "ائتلاف الراغبين": تكون ائتلاف العراق من 15 من أصل 27 بلداً من بلدان الاتحاد الأوروبي، ومن 19 من أصل 28 بلداً هم أعضاء الناتو الملتزمين بإرسال قوات، فيما تضمن ائتلاف ليبيا 11 من أصل 27 بلداً تشكل الاتحاد الأوروبي، و14 من أصل 28 دولة في الناتو. وعلى نحو مشابه، لم يكن ذلك هو التدخل الأميركي الأول الذي يتلقى موافقة من مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة: حرب الخليج في العام 1991 والتدخل البوسني وحرب أفغانستان كلها حظيت بموافقة وخاتم مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة. وأخيراً ثمة المزيد من الأوروبيين الذين كانوا منخرطين في أفغانستان مقارنة مع ليبيا.
4. ليبيا كانت أنموذجاً لتغيير النظام
تشكل ليبيا فيما يخص تغيير النظام ما كان إليوت كوهن قد قاله يوماً ما عن القوة الجوية بالنسبة لأدوات الحرب الأخرى: "تمجيد من دون التزام". صحيح أن "القيادة من الخلف" فتتت نظام القذافي في حقيقة الأمر، لكنها لم تستطع تحقيق استقرار البلد في الأعقاب. وبتنحية أفغانستان والعراق جانباً، انتهت الحرب البوسنية في العام 1995 بنشر قوة حفظ سلام قوية تتكون من ستين ألف جندي. وعلى نحو مشابه، في كوسوفو، مهدت حملة قصف مركز-سوية مع تهديد بغزو بري، الأرضية لنشر قوة من الناتو قوامها خمسون ألف رجل، بقي منهم هناك حتى الآن نحو أكثر من أربعة آلاف رجل. وبتوافرها على عدد المواطنين نفسه في كلا البلدين مجتمعين تقريباً، وبمساحة أرض تبلغ تسعة وعشرين ضعف مساحة أراضيهما، لم تتلق ليبيا مثل هذا الالتزام. ولا غرابة في أننا نراها تعاني تبعاً لذلك.
5. ليبيا نسخة قابلة للإعادة
من المحزن أن الأنموذج الليبي، حيث كان هناك دور أوروبي مرموق، لن يتكرر في مكان آخر على الأرجح. أولاً، لأن العملية حدثت قبالة الساحل الأوروبي في إطار مجال القواعد الجوية الأوروبية. وثانياً، ساعدت الامتدادات الشاسعة المكونة من شريط الصحراء المترامية الأطراف بين المراكز السكانية في خفض الجهد على القدرات الاستخبارية والاستطلاعية. وأخيراً، كانت قوات القذافي في المرحلة الثالثة، وكانت تتداعى منذ بعض الوقت. وإذا كان ثمة شيء، فهو أن النجاح الأوروبي لقي مبالغة في تمجيده. ولو واجهت أوروبا بدلاً من ذلك عدوا أكثر صلابة وفي شريط أكثر صعوبة وأبعد عن حدودها، فمن المشكوك فيه أنها كانت ستستطيع إنجاز المحصلة نفسها. وبدلاً من الإعلان عن نجوم أوروبا كقوة أمن مستقلة، أبرزت العملية الليبية محدوديات أوروبا الراهنة. وبالنظر إلى الأمام، سيكون من غير المرجح أن تستطيع أوروبا بسبب ميزانيات الدفاع المتداعية والديمغرافيات اليائسة والانقسامات السياسية تصحيح هذه الأوضاع من العجز خلال وقت قريب.
بعد مضي ثلاثة أعوام، تعرف الحرب الليبية أفضل ما يكون بمبدأ "القيادة من الخلف" وبهجمات بنغازي. ويجب تذكر ليبيا الآن بالحرب التي كانتها، وليس بالأساطير التي خلقتها.

*مرشحان لنيل درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة جورج تاون.
*نشر هذا التحليل تحت عنوان:  Five Ways You're Wrong About Libya

 

abdrahamanalhuseini@

التعليق