ذكرى يوم الأرض: إضراب عام وغضب فلسطيني

تم نشره في الأحد 30 آذار / مارس 2014. 12:02 صباحاً - آخر تعديل في الأحد 30 آذار / مارس 2014. 11:00 صباحاً
  • فلسطيني يقذف حجرا على جنود الاحتلال خلال مواجهات معهم قرب رام الله أول من أمس-(ا ف ب)

نادية سعدالدين

عمان- يعمّ فلسطين المحتلة اليوم غضب وطني عارم ضدّ ما آلت إليه أرضهم، في ذكرى ثورتها الثامنة والثلاثين، بعدما نهبّ الاحتلال الإسرائيلي أكثر من ضعفي مساحتها، استيطاناً وتهويداً، مبدداً آمالهم في إقامة دولتهم المنشودة عليها.
وتحت عنوان "أنا الأرض في جسد"، يحيي الفلسطينيون ثورة "يوم الأرض"، التي وقعت في الثلاثين من آذار (مارس) 1976، بأنشطة وفعاليات متزامنة في أرجاء الوطن المحتل، لتأكيد التمسك بالأرض واستمرار المقاومة لتحريرها.
ويسود الإضراب العام في الأراضي المحتلة 1948، فيما تنطلق التظاهرات والمسيرات الشعبية في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، ما يعكس "حالة الغليان في الشارع الفلسطيني"، التي اشتدت حدّتها غداة رفض الاحتلال إطلاق سراح الدفعة الأخيرة من الأسرى "القدامى" في سجونه، والمقررة أمس.
وتنظم القوى والفصائل الوطنية في قطاع غزة فعالياتها باسم "ملح الأرض"، ترميزاً للفلسطينيين حاملي مسيرة التحرير وتقرير المصير وحق العودة، بينما "تتقاطر جماهير الضفة الغربية عند مناطق الاحتكاك مع العدو والأراضي المهددة بالمصادرة"، وفق الناشط أحمد أبو رحمة.
وبين سياسة الاحتلال الاستيطانية، التي صادرت زهاء 65 % من أراضي الضفة الغربية، ومخطط وزير الخارجية الأميركي جون كيري، الذي يبقي نحو ألفي كم فقط من مساحتها، لن يجد الفلسطينيون سوى أوصال مقطعة ومتناثرة ضمن المستوطنات والطرق الالتفافية لإقامة كيانهم المستقبلي.
تفريغ "حق" الدولة من مضمونه
وقال رئيس اللجنة العامة للدفاع عن الأراضي الفلسطينية المحتلة عبدالهادي هنطش إن "الاحتلال يستهدف إفراغ مشروع إقامة دولة فلسطينية متصلة ومستقلة على حدود العام 1967 من أي مضمون فعلي، عبر المستوطنات والطرق الالتفافية والحواجز العسكرية".
وأضاف، لـ"الغد" من فلسطين المحتلة، إن "سلطات الاحتلال صادرت زهاء 65 % من مساحة الضفة الغربية الإجمالية، المقدرة بنحو 5680 كم2، مبقية على أقل من 35 % فقط من مساحتها بيد الفلسطينيين".
وتعد المساحة "المتبقية" مرشحة للتآكل المستمر، في ظل "مخطط إسرائيلي بتخفيض نسبتها إلى 20 % فقط، بعد الاستيلاء على زهاء 80 % من أراضي الضفة الغربية، ومنع أي تواصل جغرافي يسمح بإقامة الدولة الفلسطينية المنشودة".
ولفت إلى "استيلاء الاحتلال مؤخراً على 16 ألف دونم من الأراضي المحتلة المصنفة ضمن المنطقة "ج" (الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة)، بينما وصل عدد المستوطنين في الضفة الغربية إلى 800 ألف مستعمر، من بينهم حوالي 280 ألفا في القدس المحتلة".
وتشغل المستوطنات، وفق هنطش، "قرابة 15 % من مساحة الضفة الغربية المحتلة، بينما يلتهم الجدار العنصري 12 % منها، ضمن مخطط إسرائيلي لبناء حوالي 85 % من مساره فوق أراضي الضفة الغربية المحتلة بما فيها القدس المحتلة".
وتسجل المعطيات الرقمية الفلسطينية "مقدار مساحة الأراضي الفلسطينية المعزولة والمحاصرة بين الجدار وحدود فلسطين المحتلة العام 1948 بنحو 733 كم2 في العام 2010، أي حوالي 13.0 % من مساحة الضفة الغربية، منها حوالي 348 كم2 أراضي زراعية و110 كم2 مستغلة كمستعمرات وقواعد عسكرية و250 كم2 غابات ومناطق مفتوحة".
ويعزل الجدار نهائياً "حوالي 53 تجمعاً يسكنها ما يزيد على 300 ألف نسمة، تتركز أغلبها في القدس المحتلة بواقع 27 تجمعاً يسكنها ما يزيد على ربع مليون نسمة، كما يحاصر 165 تجمعاً سكانياً يقطنها ما يزيد على نصف مليون نسمة".
وفي نفس السياق، تشكل مساحة غور الأردن ما نسبته 29 % من إجمالي مساحة الضفة الغربية، حيث تسيطر سلطات الاحتلال على أكثر من 90 % من مساحته، ويستوطن نحو 9500 مستعمر في تلك المنطقة، ضمن 25 مستوطنة، يحاصرون زهاء 65 ألف فلسطيني، ويستولون على مقدراتهم الطبيعية ويسرقون أراضيهم.
وقد صادر الاحتلال منذ اتفاق أوسلو (1993) حوالي 860 ألف دونم، منها 120 ألفا في منطقتي "أ" (الخاضعة للسلطة الفلسطينية بسيطرة كاملة)، و"ب" (الخاضعة للسيطرة المدنية الفلسطينية والأمنية الإسرائيلية)، وفق تصنيفاته.
أدى اقتطاع الاحتلال للمساحة الواقعة ضمنهما إلى اجتزاء نسبة 2.14 % من إجمالي 38 %، مبقياً على 35.86 % منهما فقط، لصالح ضمها إلى المنطقة "ج"، التي باتت مساحتها الإجمالية حوالي 64.14 %.
بينما "أضاف المساحة المصادرة بمقدار 120 ألف دونم إلى أراضي الضفة الغربية التي استولى عليها قبلاً بنسبة 78 %، لتشكلا معاً حوالي 80.14 % من مساحتها الإجمالية"، وفق هنطش.
وبموازاة ذلك؛ أحكم الاحتلال سيطرته على مناطق "ج" من مساحة الضفة الغربية، رغم أن الإمكانات الاستثمارية موجودة فيها وأيضاً المياه والزراعة والصناعة وغيرها، في حين أبقى السلطة محاصرة في منطقة "أ" وهي مساحة المدن والقرى والمخيمات.
ومضى الاحتلال في نهب الموارد الطبيعية الفلسطينية، والتحكم في الاقتصاد والمعابر والحدود والتجارة الخارجية، وشلّ الحياة في الضفة الغربية بالجدار العنصري والطرق الالتفافية والمستوطنات ومحاصرة قطاع غزة وعزل مدينة القدس وحرمان السلطة من عائداتها السياحية وضرب حركتها التجارية.
ومنذ العام 1967؛ تمكنت سلطات الاحتلال، عبر القتل والتنكيل والعنف، من "مصادرة نحو أربعة ملايين دونم من أراضي الضفة الغربية، وهدم نحو 26 ألف منزل فيها بمعدل 500 منزل سنوياً"، بحسب دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية.
وأفادت الدائرة، في تقرير أصدرته حديثاً، بأن "الاحتلال صادر 1.250.000 دونم بدعوى "أراضي دولة"، و1.200.000 دونم بذريعة "محميات طبيعية" و450 ألف دونم بحجة أنها "أملاك غائبين" و500 ألف دونم بقرارات عسكرية".
وتابعت "صادر الاحتلال 500 ألف أخرى لصالح المستوطنين، لإقامة 470 مستوطنة وموقع استيطاني عشوائي وثكنة عسكرية عليها، تضم نحو 519 ألف مستوطن".
ويسيطر الاحتلال اليوم، بحسب معطياتها، على "ما نسبته 86 % من أراضي القدس المحتلة، لصالح البناء والتوسع الاستيطاني، ويحرم الفلسطينيين أصحاب الأرض الشرعيين من حقوقهم وأملاكهم".
مخطط "اللاشيء"
يدخل طرح كيري لبلوغ اتفاق فلسطيني - إسرائيلي قبل حلول نهاية الشهر المقبل، ضمن مخطط "اللاشيء"، بالنسبة للجانب الفلسطيني، بحسب مدير دائرة الخرائط والمساحة في بيت الشرق بالقدس المحتلة خليل التفكجي.
وقال، لـ"الغد" من فلسطين المحتلة، إن "اتفاق الإطار" الأميركي "يبقي نحو ألفي كم فقط من مساحة الضفة الغربية بيد الفلسطينيين، بعد ضم 70 % من الكتل الاستيطانية للجانب الإسرائيلي، ووضع أخرى تحت الحكم الذاتي، واقتطاع غور الأردن".
وأضاف أن "الاتفاق" يسمح "بتغلغل المستوطنات داخل أراضي الدولة الفلسطينية المنشودة، ويمنع تواصلها، عبر ضمّ الكتل الاستيطانية الكبرى، التي تمثل 80 % من المستوطنين و70 % من المستوطنات، للكيان الإسرائيلي، وتحويل مستوطنات تقع وسط الضفة الغربية المحتلة إلى حكم ذاتي في أراضي السلطة ومرتبطة بالاحتلال".
وأكد أن "الاحتلال لا يمكن له التنازل عن ضمّ تلك الكتل الاستيطانية، ومنها "معاليه أدوميم" و"غوش عتصيون" و"أرئيل" و"جيغاف زئيف"، و"بيت إيل" و"كريات أربع"، باعتبارها الظهير الاستراتيجي للكيان الإسرائيلي".
وتابع إن "تلك المستوطنات قريبة من أراضي فلسطين المحتلة العام 1948 وتمنع أي تواصل بين أراضي الدولة الفلسطينية المنشودة، فضلاً عن الأغراض الأمنية الاستراتيجية"، منوهاً إلى أن "مستوطنة "أرئيل" وحدها تمتد بعمق 25 كم داخل أراضي الضفة الغربية المحتلة".
وأشار إلى أنه "لن يتبقى بيد الفلسطينيين سوى 2000 كم من مساحة الضفة الغربية المحتلة بعد الاقتطاعات" المقترحة ضمن خطة كيري، مفيداً بأن "منطقة الأغوار تقع خارج البحث بالنسبة للاحتلال، أسوّة بقضيتي اللاجئين الفلسطينيين والقدس".
واعتبر أن "الجانب الفلسطيني هو الأضعف في هكذا اتفاق، فإما القبول به كما هو أو رفضه وبالتالي تحمل مغبة الضغط المالي الاقتصادي".
وكانت الأنباء قد أفادت بتقديم كيري طرحاً يقضي ببقاء الاحتلال في أراضي الضفة الغربية، خاصة منطقة الأغوار لسنوات يتفق بشأنها، والإبقاء على الكتل الاستيطانية الكبرى، واستمرار السيطرة على المعابر والحدود، وإخراج قضيتي القدس واللاجئين من نطاق البحث.
مقاومة فلسطينية مستمرة
"لم تتوقف معركة الأرض، بفعل صمود ونضال الشعب الفلسطيني ضد عدوان الاحتلال الإسرائيلي، أسوة بإحياء ذكرى ثورتها الثامنة والثلاثين اليوم"، وفق الناشط أبو رحمة عضو اللجنة الشعبية للدفاع عن الأرض ومناهضة الاستيطان. وقال، لـ"الغد" من فلسطين المحتلة، إن "الوطن المحتل يشهد اليوم أنشطة وفعاليات متزامنة احتجاجاً ضد سياسة الاحتلال العدوانية، من حيث القتل والتنكيل والتهويد والاستيطان ومصادرة الأراضي وهدم المنازل".
وأضاف أن "الشارع الفلسطيني يغلي، بعد رفض الاحتلال الإفراج عن الدفعة الأخيرة من الأسرى"، لافتاً إلى "تنظيم المسيرات والتظاهرات والمهرجانات وإلقاء الخطب التي تؤكد على ثبات مسيرة المقاومة لدحر الاحتلال وتحرير الأرض".
وتحاكي أحداث اليوم مشهد الثلاثين من آذار (مارس) 1976، حينما صادر الاحتلال زهاء 21 ألف دونم من أراضي عرابة وسخنين ودير حنا، وغيرها، لبناء المستوطنات وتوطين المستعمرين في سياق مخطط تهويد الجليل، بعد مصادرتها لأكثر من مليون دونم من أراضي الجليل والمثلث خلال عامي 1948 و1972.
وأسفر قمع قوات الاحتلال بنيران آلتها العدوانية للمظاهرات الشعبية الغاضبة التي امتدت على طول مساحة أرض فلسطين التاريخية، مصحوبة بإضراب شامل، عن استشهاد ستة فلسطينيين وجرح العشرات واعتقال أكثر من 300 فلسطيني.
وقد تجسدت ملحمة الصمود والنضال، في إحدى صورها، من خلال اصطفاف الفلسطينيين المواطنين في الأراضي المحتلة عامي 1948 و1967.
ويعتبر "يوم الأرض" حدثاً مهماً في تاريخ الشعب الفلسطيني العربي في الأرض المحتلة العام 1948، الذي انتفض ضد قرارات سلطات الاحتلال المجحفة لجهة إلغائها بواسطة النضال الشعبي، مستمدين قوتهم من وحدتهم، مما كان لها أكبر الأثر على وعيهم السياسي ونضالهم الوطني.وانعكس ذلك الإدراك في خروج الجماهير الفلسطينية العربية إلى الشارع دونما تخطيط، للتصدي للاحتلال، فيما اقتربت في الثلاثين من آذار (مارس) من العصيان المدني الجماعي، مما يترجم العمل المنظم واستيعاب أبعاد القضية، التي تقع الأرض في محوريتها.وقد استبق الاحتلال ذلك الحدث بجملة قرارات عدوانية وبوثيقة أعدها متصرف لواء المنطقة الشمالية المحتلة "يسرائيل كينيغ" في الأول من آذار (مارس) لتهويد الجليل واتخاذ إجراءات سياسية معينة تجاه الفلسطينيين في الأرض المحتلة العام 1948.

التعليق