موفق ملكاوي

احتفالية الشارقة: الإبداع والابتكار

تم نشره في الثلاثاء 1 نيسان / أبريل 2014. 11:02 مـساءً

حين تم توجيه الدعوة إلينا لحضور انطلاق احتفالات الشارقة عاصمة للثقافة الإسلامية العام 2014، كان لا بد من أن نستذكر احتفاليات عديدة استقصت الكم و"رفع العتب"، بدون أن تحاول التأشير إلى بعد إبداعي يميزها عن غيرها.
كنا نحضّر أنفسنا لـ"فرجة مكرورة" ومستنسخة عن غيرها. كان ذلك في خيالاتنا قبل أن نلزم مقاعدنا في مسرح المجاز على بحيرة خالد. لكن ما إن بدأ العرض الأسطوري لـ"عناقيد الضياء"، حتى تبدد ذلك الوهم، وتأكدنا أن تفكيرنا لم يكن صائبا، وأن الشارقة تريد أن تكون مختلفة عما سواها، وأن تضع بصمة واضحة لها في هذه الاحتفالية.
"عناقيد الضياء" ليس عملاً تسجيلياً يستقصي سيرة الرسول عليه السلام ونشأة الإسلام فحسب، رغم أنه قدم صورة راقية وجلية في هذا الشأن، بل هو عمل ملحمي استقصى الاستفادة من جميع الفنون المتاحة، وتجييرها لمصلحة عمل فني شامل، يحشد بين ثناياه الإلقاء الشعري، والموسيقى، والغناء، ومسرح الدمى، والمشاهد التمثيلية الحية، والمقاطع السينمائية الاحترافية المعروضة في عمق المسرح، إضافة إلى الديكور المنفذ باحترافية كبيرة من خلال المجسمات، وتقاطعات الضوء التي يتم التحكم بها بواسطة برامج كمبيوتر، لتشكل لوحات مبتكرة على أرضية المسرح وخلفيته، وكذلك في فضاء المسرح الحر بسماء الشارقة.
كل مفردة في العرض كانت تؤدي قيمة مضافة، تتجلى للمشاهدين الذين غصت بهم مدرجات المسرح المبني على الطرز الرومانية القديمة وسط الماء، ما أضفى جواً أسطورياً على الحالة برمتها.
قبل العرض الرئيسي، كانت ساحات المدرج الخارجية تغص بالفرق من مختلف العالم الإسلامي، تستقصي الفنون الإسلامية؛ من الإنشاد الصوفي، إلى فن "المولد" الذي أدته فرقة مصرية، أبدع راقصها الرئيسي في رقصة "الطار" على أنغام الموسيقى والأغنيات والأناشيد الإسلامية.
خلال النقاشات العديدة التي تبعت العرض، والتي اشترك فيها عديدون من مختلف البلدان، لم أستمع إلى تحفظات حقيقية تنتقص من قيمة العرض وروعته. ولعل أكثر ما تم ترديده هو الكلفة المالية العالية للعرض، وهو أمر لا يمكن أن يكون محل انتقاد إلا إذا كان العرض فاشلاً أو جاء دون المستوى المتوقع. أما إذا جاءت الكلفة المالية كعامل نجاح وإنجاح، فهو ما يحسب لمصلحة العرض وليس ضده.
الشارقة استطاعت أن تدشن احتفاليتها على أبهى صورة. وكل ما نتمناه هو أن تأتي الفعاليات التي ستتواصل على مدار العام الحالي، مبتكرة ومبهرة كما كانت "عناقيد الضياء"، خصوصاً أن الإمكانات المادية والبشرية متوفرة.
والأمر الآخر الذي نتمناه، هو أن يستطيع المنظمون نقل العمل الملحمي الكبير ليُعرض في أكثر من بلد خارج الإمارات العربية المتحدة، كونه يؤسس لمفهوم فني شامل، يستطيع أن يغير في بنية الإنتاج الفني العربي، ويجعله يخرج من نمطيته وتشابهه ومروريته.
قد يكون أمر نقل الملحمة الفنية لعرضها خارج مسرحها الرئيسي صعبا، كونه يحتاج إلى فضاء تتوفر فيه مزايا عديدة، من حيث المساحة والعمق وانفتاح فضاء العرض. لكن إذا كان ذلك غير متوفر، فعلى أقل تقدير، أن يتم تصويره وعرضه داخل الصالات المغلقة، حتى لو لم يش التصوير بعبقرية العمل ككل.

التعليق