أصالة العلم والصناعة في أمتنا

تم نشره في الجمعة 4 نيسان / أبريل 2014. 12:00 صباحاً

أسامة شحادة*

كشفت الثورة السورية، ومن قبلها المقاومة الفلسطينية عبر مراحلها المتعددة، عن قوة وعمق وأصالة القابلية العربية والإسلامية للعلم والصناعة والابتكار، مهما كانت الظروف بائسة والإمكانات شحيحة؛ إنما مع توفر عامل واحد، هو الحرية والكرامة، والذي يسمح للكفاءات الفردية بالظهور والتقدم، وللمنتجات بالبروز والتجربة، فلا يكون هناك بيروقراطية ولا روتين معرقلان، ولا "خواجات" يُستشارون أو يستأذنون!
وتتجلى مظاهر العبقرية العلمية والصناعية في ما نشر من أخبار ومقاطع عن مبتكرات قام بها الثوار لتعويض النقص الحاصل من وسائل المعيشة أو المقاومة.
وهذه الحقيقة تنسف المقولة الزائفة بأن "العرب والمسلمين جهلة ومتخلفون"، وهي المقولة التي طالما رُددت عبر وسائل الإعلام والتثقيف الموجهة للأمة بعناية، لتبقى مخدّرة مغيّبة، بفضل نماذج بائسة. فهكذا مقولة، في الحقيقة، كذب كبير، وتزوير فاضح؛ إذ ليس العقل العربي والإسلامي بأقل مستوى عن غيره، بل لعله أكثر إبداعية وعلمية لو وُجدت الظروف الطبيعية له، ولا أقول الداعمة. ولنناقش هذه القضية في السطور التالية:
أولاً: لننظر في أرقام هجرة العقول والكفاءات العربية والإسلامية. إذ طبقا لما أعلنته وزارة الهجرة المصرية، فإن إجمالي عدد العلماء المهاجرين من مصر وحدها بلغ 465 ألف عالماً، معظمهم من خريجي الجامعات وعلماء الطبيعة والأطباء والمهندسين. فمنذ بداية الستينيات من القرن الماضي، هاجر إلى الغرب أكثر من 61 ألف طبيب، و100 ألف مهندس، و122 ألف اختصاصي فني مصريين. وتبيّن الإحصاءات أيضاً أن 56 % من خريجي الجامعات في سورية من علماء الطبيعة قد هاجروا، ومثلهم 29 % من خريجي لبنان، و12.5 % من تونس!
وفي دراسة لمركز الخليج للدراسات الاستراتيجية، فإن "45 % من الطلبة العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم، و34 % من الكفاءات العلمية العربية مهاجرة بالفعل إلى الدول الثلاث (أميركا-بريطانيا-كندا)".
أما إحصاءات ودراسات جامعة الدول العربية ومنظمة العمل العربية ومنظمة اليونسكو، فتشير إلى أن:
- 50 % من الأطباء و23 % من المهندسين و15 % من العلماء من مجموع الكفاءات العربية المتخرجة، يهاجرون متوجهين إلى أوروبا والولايات المتحدة، وكندا بوجه خاص.
- يشكل الأطباء العرب العاملون في بريطانيا حوالي 34 % من مجموع الأطباء العاملين هناك.
- خسائر البلدان العربية من جراء هجرة الأدمغة العربية تبلغ 200 مليار دولار.
فهؤلاء العرب والمسلمون المهاجرون للغرب هم نتاج مجتمعاتنا، من دون أي تأثير غربي؛ وهم نتاج مؤسساتنا الضعيفة مع الأسف، لكنهم الدليل الساطع على الاستعداد الفطري للعربي والمسلم للعلم والإبداع. كيف لا، والإسلام يحث على العلم، ويجعله أحد أنواع العبادة؟ قال صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة" (رواه مسلم). كما أن الإسلام يجنب أهله كل ما يتعارض مع العلم، من تصديق الخرافات والخزعبلات، أو ما يذهب بالعقل كالخمر والمسكرات، أو يضيع الأوقات في الشهوات البهيمية. ولذلك، رأينا العرب حين دخلوا في الإسلام سرعان ما تحولوا من أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، إلى قائدة الأمم في العلم والمعرفة والاختراع والصناعة.
وبرغم أن الوضع التعليمي في بلادنا ليس في أفضل حالاته، فإن شبابنا وشاباتنا يحرزون تفوقاً في اكتساب المعارف والفنون، وتقوم الدول الغربية باستقطابهم لبناء حضارتها على أكتافهم، من خلال المحفزات العلمية، وفتح الفرص للتقدم، فضلاً عن تطور الأنظمة واللوائح التي تحبط المبدعين في ربوعنا، ثم بالمكافآت المالية المجزية.
وثانياً: هذه الحال المائلة التي تعيشها أمتنا، للغرب فيها يد عليا. إذ حين اجتاحتنا قطعان المحتلين الأوروبيين، قاموا بتغريب البنية التعليمية والتصنيعية عامدين. فالاحتلال الفرنسي للجزائر العام 1830، كان بهدف التهرب من سداد ما على فرنسا من ديون للجزائر! ولذلك، قام الفرنسيون بنهب خزانة الجزائر، ومن ثم إغلاق 1000 مدرسة فيها؛ فانتشر الجهل وعم الفقر. وما تزال الجزائر لليوم تعاني من هذه السرقة والبلطجة، ثم يسمون الاحتلال استعمارا (من العمران)!
والاحتلال البريطاني لمصر عمد للمصانع التي أنشأها محمد علي باشا، فأغلقها وفكك بعضها وأتلفه، وقيل إنه ألقى بعض المصانع في البحر، وذلك حتى تغزو منتجات بريطانيا مصر، فيزدهر الاقتصاد البريطاني. وما تزال سُنّة إلقاء المنتجات والحبوب والخضراوات في البحر سارية لليوم في العالم المتقدم، للحفاظ على السعر المثالي للرأسماليين الجشعين.
ثالثاً: بقيت أمتنا تتربع على عرش العلم والابتكار والصناعة ألف عام، ولم تغادره إلا مؤخراً، وذلك بسبب التخريب الغربي المتعمد للمدارس والمصانع كما بيّنا، وبسبب انتشار أفكار وعقائد وافدة على الإسلام، عبر الفرق الضالة التي حاربت العلم والمعرفة لتنشر باطلها وتحمي مكر قادتها الغشاشين والمخادعين بنقد العلماء والأذكياء. ولذلك، راجت أحوال الشعوذة والسحر والعرافة والكهانة بين المسلمين لما انتشرت هذه الفرق والطرق الضالة، ووجدنا الاحتلال والمستشرقين يحرصون على دعم هذه الطرق والفرق لما تقوم به من قتل لمعنويات المسلمين في مقاومة المحتلين.
وقد صدرت مؤخراً، وبعد وقت طويل، الترجمة العربية لكتاب "1001 ألف اختراع واختراع: التراث الإسلامي في عالمنا". وهو نتاج فريق بحثي متخصص بقيادة البرفيسور سليم الحسني، ضمن مبادرة تربوية تعليمية عالمية تحمل نفس العنوان، والغاية منها سد الفجوة المعرفية الغربية خصوصاً والعالمية عموماً في تاريخ العلوم. وترعى هذه المبادرة مؤسسة العلوم والتكنولوجيا والحضارة، وهي مؤسسة غير ربحية في لندن أسست لهذه الغاية.
فللأسف، تؤرخ الكتب الغربية -وهي المعتمدة- للعلوم منذ ما قبل الميلاد إلى يومنا الحاضر، لكن بإسقاط المشاركة الإسلامية. فمؤلفو هذه الكتب يقفزون ألف سنة تقريباً، بين القرن السابع والسابع عشر الميلاديين، ويعتبرونها عصر الظلمات، بينما كان العالم ينعم بالعلوم والمعارف والمخترعات الإسلامية!
كتاب "1001 ألف اختراع واختراع: التراث الإسلامي في عالمنا"، صدرت منه ثلاث طبعات إنجليزية، وطبعة تركية، وهذه الطبعة العربية الأولى. وكان سبق أن طبع مختصر له بالعربية في العام 2012، في القاهرة، عن دار نهضة مصر. ويتجول الكتاب بقارئه بين سبعة فضاءات تحيط بحياتنا اليومية: البيت والمدرسة والسوق والمستشفى والمدينة والعالم والكون، وهو يقع في 390 صفحة ملونة ومليئة بالصور من القطع الكبير.
ويعد الكتاب مفخرة لكل عربي ومسلم، لأنه يعرفنا بعظمة ما قام به أجدادنا، وأنه ما يزال سبب ما نحن والعالم فيه من رفاهية ومدنية، وأننا بالإيمان والعلم والعمل والإتقان يمكننا أن نواصل ما انقطع من دور حضاري رائد لنا.
وأخيراً، فإن ما شهدته ماليزيا وتشهده تركيا اليوم من نهضة علمية وصناعية، هو دليل واقعي على أن أمتنا الإسلامية والعربية قادرة على التفوق في العلم والصناعة؛ إذا وجدت الإرادة السياسية، وتوفر جو الحرية والكرامة لشبابنا وشاباتنا.


*كاتب أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال رائع جدا (احمد الهليل)

    الأحد 20 نيسان / أبريل 2014.
    اشكرك جزيل الشكر على هذا المقال ومع الاسف قد يتجاهل مننا الكثير هذا الفضل ويزعم انه الفضل قاصراً فقط للغرب في العلم ناهيك عن تلك الدعايات التي يروجوها في سبيل تحطيم معنويات المسلمين السابقين في تطوير العلم والمعرفه لاسيما حكام العرب ووزرائهم ممن حاول في تربية الهمجيه والتحطيم واللهث طردا وراء المعيشه .. نسأل الله العفو والمغفره والعلم والمنفعه
  • »مقال رائع (معاذ عودات)

    الجمعة 4 نيسان / أبريل 2014.
    لن تكون كلمتنا من رأسنا حتى تكون لقمتنا من فأسنا
    قالها الشيخ الشعراوي رحمه الله لما علم من أثر تبعية المسلمين لغيرهم بعدما كانوا سادة قادة
    و وعي هذا اﻷمر كارهو الإسلام فأرادوا طمس كل ما يشير إلى فضل المسلمين ( السابقين) على سائر الأمم كجزء ممنهج من خطتهم في إنماء تبعية المسلمين ( المعاصرين ) في كل مناحي الحياة.
    وفقك الله ونفع بك وبما تكتب وبارك في مداد قلمك