الاعتدال في الدين

تم نشره في الجمعة 4 نيسان / أبريل 2014. 12:00 صباحاً

د. محمد المجالي*

شدني إلى الكتابة في هذا الموضوع حوار بيني وبين زميلة، تذكر حديثا جرى بينها وبين إحدى الطالبات، وتخبرها فيه الطالبة أن أمها أوصتها أن "لا تتدين كثيرا حتى لا تنهبل". وهكذا يتحدث الناس فيما بينهم أحيانا، وبلغة عامية؛ أن لا يكثروا من التديّن، فقد يقودهم التعمق في الدين إلى الجنون والهبل!
عجيب أن يتحدث الناس بهذا، ويشيع بين العوام على وجه التحديد، ظنا منهم أن من يكون ملتزما متدينا فيه شيء من الجنون والهبل. ولا أبرئ ساحة أعداء الله من نشر مثل هذه المفاهيم المغلوطة التي تتنافى وتتعارض مع الحقيقة. وربما كان هناك بعض حوادث لأشخاص عبدوا الله على جهل، فقادهم جهلهم إلى تصرفات غير سوية؛ أو بعض الأشخاص ممن أسرفوا على أنفسهم بالذنوب وأنابوا إلى الله والتزموا، لكن لم يكونوا على مستوى من العلم، فتذكروا أحوالهم السابقة، ويسهم الشيطان في هذا الأمر من باب تيئيس الشخص، فيتصرف تصرفات غير سوية ويناقض نفسه، ثم يظن المتابعون للمشهد أن الشخص جُنّ، وهكذا. وربما تعمق فعلا بعض الناس في الدين ولكن من دون علم، فعزلوا أنفسهم عن أهليهم ومجتمعهم نتيجة لكثرة المظاهر غير الإسلامية في المجتمع. فتنتشر تصرفات فردية نادرة، لكن الناس عمموها، وتركوا نماذج رائعة كثيرة لأناس التزموا دينهم عن علم ودراية، وكانوا يسألون أهل العلم إن جهلوا مسألة ما؛ فهؤلاء نراهم في المساجد من أهل القرآن والذكر والالتزام، وعلى مستوى عال من الأخلاق، خاصة تلك الضابطة للتعامل بين الناس.
لعل العامل الرئيس في ضبط المسلكين هو العلم. ومن هنا نقول بأهميته المطلقة. ومن لم يكن على مستوى من العلم الشرعي، فلا أقل من أن يسأل، حتى لو كان متقدما في أنواع العلوم الأخرى. فلا بأس أن يتواضع ويسأل في الأمور الدينية، والله سبحانه يقول: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" (الأنبياء، الآية 7).
فالمسائل التي تواجه الإنسان في دينه كثيرة، مما يتعلق بعباداته أو المسائل الأخرى خاصة المستجدة. وأهل التخصص في الشريعة أنفسهم يسألون في المسائل الأخرى التي لم يتخصصوا فيها؛ ومن باب أوْلى أن يسأل غير المتخصص في الشريعة. ولا بد من التواضع، فالخلفاء كانوا يسألون العلماء. المهم في النهاية، أن يكون مسيرنا الديني على هدى، وأن لا نغش أنفسنا. فكم من الناس من يسيء في صلاته، وربما يفطر في رمضان وهو لا يدري، أو ضيّع حجه، أو قصّر في زكاته، فما بالكم في الأمور الأخرى في المعاملات، حيث المسائل التجارية والمعاملات البنكية التي يغرق كثيرون بسببها في الربا ولا يكترثون، أو يأخذون القروض ظنا منهم أنهم ما أكلوا الربا بل أعطوا هم من خالص مالهم وبرضاهم، ونسوا أن الربا جريمة اجتماعية يرجع ضررها على المجتمع كله. وهناك المسائل المتعلقة بالعلاقة بين الزوجين وألفاظ الطلاق، وبعض التصرفات غير الشرعية. وهكذا في شؤون الدين عموما. فلا بد من علم وحرص على الصواب فيها.
لا بد أن أسجل هنا ملحظا إيجابيا عند الناس. فالحمد لله أن فئة كبيرة من المجتمع تسأل علماء الشريعة والإفتاء والقضاة. وهذا مؤشر طيب على أن الناس حريصون على دينهم، يهمهم أمره، ولا يريدون أن يخالفوا الشريعة. وليت هذا المسلك يعمم بين فئات الناس، كون التكنولوجيا تسهم في سهولة الاتصال. لكن في الوقت نفسه، لا بد من التحذير من فتاوى تكون على الشبكة العنكبوتية؛ إذ قد لا يعرف العامي مصدرها، وربما تكون وفق مذاهب ضالة، فليحرص كل الحرص على التوثق منها.
وعودة إلى الموضوع الرئيس، وهو ارتباط التدين بالجنون في عقول بعض الناس. فلا بد من أجل ذلك أن أبين أن التفقه في الدين والتعمق فيه هما من خصائص العلماء. فسيرة العظماء منهم تشير إلى تبحرهم في علومهم، بل هم موسوعيون نبغوا في فروع العلم كله؛ تراهم حفظوا القرآن وهم صغار، ثم حفظوا الحديث والمتون، وكانوا من العابدين الزاهدين، ورحلوا في طلب العلم من بلد لآخر، وكانوا في أرقى درجات العلم والقدوة، نسمع عنهم ونتمنى أن نكون مثلهم. هؤلاء عرفوا حق الله عليهم، وشكروا نعمته تعالى في أن خصهم أن يكونوا علماء. ومرة أخرى، فالضابط هو العلم الذي ينبغي من خلاله أن نعرف الصحيح من غيره، ونضبط من خلاله الحقوق، فلا يطغى جانب على آخر.
أتذكر في هذا السياق أولئك النفر الذين استقلوا عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، وصمم أحدهم أن يقوم الليل ولا يرقد، وآخر على أن يصوم ولا يفطر، والثالث أن لا يتزوج النساء. ولما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بهم أرسل إليهم، وأخبرهم أنه أتقاهم لله وأخشاهم له، ومع هذا فهو يقوم ويرقد، ويصوم ويفطر، ويتزوج النساء، ومن رغب عن سنته فليس منه؛ هكذا بهذه الكلمات الواضحة، فلم يمدحهم، بل شدد عليهم. إذ إن سلوكهم لو انتشر، لتنافس الناس من يفعل مثلهم وأكثر، وحينها تضيع شؤون الحياة في علاقات عبادية محضة، تفسد الحياة بعدها بضياع الحقوق. ومن هنا نبه صلى الله عليه وسلم إلى أن هذا الدين متين، ولا بد من الرفق فيه، فالضابط المتفرع عن العلم هو التوازن والاعتدال، وذلك حين نتذكر الحقوق الأخرى المطلوبة من الإنسان، فلا يظلم فيها حين يميل إلى أحدها ويترك الأخرى.
حين نتنبه إلى مبادئ هذا الدين؛ من شمول وتوازن وواقعية ومرونة وغيرها، ندرك رحمة الله تعالى، فهو ما جعل علينا في الدين من حرج، ويريد بنا اليسر لا العسر، بل أمرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أن نبشر ولا ننفر، وأن نيسر ولا نعسّر. وما أجمل ما وُصف به صلى الله عليه وسلم بأنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما؛ فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه.
وفي هذا السياق، لا بد من التحذير من تمييع الدين؛ فكما أنه مطلوب مني أن لا أتشدد، فكذلك مطلوب مني أن لا أتهاون. فبعض الناس يطلقون عبارات غير صحيحة، ويتصرفون تصرفات غير صحيحة أيضا. إذ بحجة عدم التشدد نراهم يجمعون الحرام مع الحلال، ويفعلون بعض الذنوب وإن كانت صغيرة بحجة أنها لا تضر، وأن الله غفور رحيم. فليحذر أحدنا من هذا، فالدين هو وسط وعدل، ولا يوجد شيء اسمه دين وسطي أو إسلام معتدل، فالإسلام هو عدل ووسط كله، وأنا حيث يطلبني ديني؛ فأكون لينا هنا وشديدا هناك، والذي كتب عليّ الصيام هو الذي كتب عليّ القتال، والذي أمرني بالصفح والعفو في مجالات هو الذي أمرني بالغلظة على المنافقين والكافرين. ومرة أخرى، هو العلم والسؤال حين الجهل، وأن لا يكون أحدنا تلميذ كتاب أو إنترنت؛ بل لا بد من السؤال والحرص على المنهج الصحيح في هذه الحياة.



*أكاديمي أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تالق (عطاف)

    الجمعة 4 نيسان / أبريل 2014.
    صدقت ان مجتمعنا يصف التدين بالهبل نعم هذه الكلمة ترن بمسمعي ولا تغيب