د.أحمد جميل عزم

أنا من هذه المدينة

تم نشره في الجمعة 4 نيسان / أبريل 2014. 12:03 صباحاً

أي مدينة؟
بعد أن توقِف السّيارة في مَوقِف بين سُورين، يقول لك طفل إنه كان يوماً خندق مياه ليحمي المدينة، وبعد أن تمر بدار "الأسوار" للنشر، وتنظر إلى الكتب، وتحادث الأستاذ يعقوب صاحب الدّار؛ تصل مسرح "اللاز".
في مسرح فاخر في عاصمة عربية نفطية، يَحظُر الموسيقيّ المُغني الذي بنى اسمه ومجده بأغانيه للثورة وفلسطين، على الجمهور أن يُصفّق، ويخبره أنّ "الأغنية" تحتاج لاستماع لا لتصفيق، وفي أغنيات أخرى يسمح بالتصفيق. موقف يبدو منطقيّاً؛ يريد من الجمهور أن يستمع ويتذوق، ويريد أن تصل موسيقاه من دون "كدر"، وليس كالمغنين الذين يستجدون التّصفيق من الجمهور، أو يرغبون في التغطية على عيوب أصواتهم والموسيقى بجلبة الجمهور.
يتحدث آلان بابي، المؤرخ اليهودي، وأبرز المؤرخين الجدد الذين أعادوا كتابة التاريخ، وأثبت من مصادر صهيونية أنّ حرب 1948 شهدت تطهيرا عرقيّا صهيونيّاً ضد الفلسطينيين، ويقول: عندما بدأ "أسبوع الأبارتهايد الإسرائيلي" في كندا عام 2005، لم يدر حتى بخيالي انتقال هذا الأسبوع إلى هنا.
يخبرنا جمال جمعة: لقد أقيم الأسبوع هذا العام في 200 مدينة، في 80 دولة.
كانت الفنانة تدعوهم للغناء والتفاعل.. كان إحساسها مدهشا.
في ختام فعاليات اليوم الأول، صعدت الفنانة سلام أبو آمنة للمسرح، بصحبة عازفين فقط، "وصدحت" بالغناء.
سلام في دعوتها الجمهور للتفاعل، كانت تفعل شيئاً غير معهود؛ كانت تغني للجمهور وتندمج معهم، ولكن هدفها كان "سحب" الجمهور خارج أسوار المسرح، أو أنها تخاطب كائناً خارج الأسوار. كانت تريد من الجمهور أن يغني معها، لفلسطين. بل كانت تريدهم "أن يُغنوا فلسطين"، أي أن يحوّلوا فلسطين إلى أغنية. كيف يمكن أن يَحدُث هذا؟
كانت سلام ابو آمنة تردد كلمة "فلسطين" وسط الغناء، كأنها "كلمة السر" لما تريد من الناس فعله. كانت تهتف باسم "فلسطين"، من دون أن تضعها في جملة، فيفهم الناس ويستجيبون لما تريد من دون أن تطلب! وعندما كانت تشاهد توحدهم في كتلة إنسانية وطنية واحدة، كانت تنظر إلى جدار المسرح التاريخي العالي كأنها تخترقه إلى عيني كائن اسمه فلسطين يبتسم فوق البحر، منتظراً العودة.
المكان والزّمان: عكا - الأسبوع الماضي.
المناسبة: أسبوع الأبارتهايد الإسرائيلي، الذي نظّمته مجموعة "فلسطينيّات"، الناشطة في كل فلسطين، من بحرها إلى نهرها، على صغر عدد أعضائها وحداثتها، والتي رفعت شعارا واضحاً على اليافطة أمام المسرح: "نحو استراتيجية نضال جديدة وموحدة".
عندما حدّدتُ مشاركتي في الأسبوع بأنّها عن "فلسطين من الانفتاح إلى الأبارتهايد"، وتحدثتُ بسرعة عن خاني الشواردة والعمدان اللذين يحيطان بالمسرح، وأقيما في عصري الظاهر عمر وأحمد باشا الجزار في القرن الثامن عشر، عندما كان التُّجار الفرنسيون والإنجليز يأتون ويتنافسون لكسب الأهالي والحكّام، ليبيعوهم دون غيرهم القطن والزجاج، ويذهبوا للسباحة في المياه الساخنة قرب طبرية، وتقلهم شركة سياحة من القدس، يقود عرباتها سائقون يرتدون زيا موحدا، ويسيرون وفق جدول زمني ثابت؛ وتحدثتُ عن الأساتذة الفلسطينيين في جامعات أوروبا في القرون الماضية، وعن الموسيقى والفن في فلسطين في العصر العثماني، لم أكن أعرف معنى اسم المسرح؛ "اللاز". وسيصعب أن أعرف؛ إذ اتضح أنّ للكلمة أكثر من معنى، تبدأ من البطل ولا تنتهي كما يقول الباحث أسامة مصري، باللقيط. ولكن قصّة المسرح ذاتها قصّة إضافية. فأهل قرية الرامة، في الجليل، لديهم حركة مسرحية منذ بدايات القرن الماضي، وأنشأوا فرقة مسرحية العام 1924، وكان لديهم مسرح بلدي في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، ليقرر مخرج من القرية، يسمى مازن غطاس، تأسيس مسرح "اللاز" في الرامة في تسعينيات القرن الماضي، بعد انتهاء دراسته في كييف، ثم يقرر نقله إلى عكا، ويتوفى سريعاً.
في المكان، كان الظاهر عمر، وكان توفيق زيّاد وكلماته التي غنتها أبو آمنة بصوت مدهش الصفاء والمعنى: "أنا من هذه المدينة.. من شرايين بيوت الفقر". وكانت دار الأسوار للنشر، وكان مازن غطّاس، وأهالٍ من النقب حتى الناقورة، وصبايا وشباب "فلسطينيات"، ومنهن صبيّة بكامل زينتها رأت المكان متّسخاً فحملت دلو ماء وأدوات التنظيف وقامت بالعمل بكل إباء، يساعدها شاب مكتمل الأناقة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »للأستاذ أبو أحمد والأستاذ بسمة (أحمد عزم)

    الأربعاء 9 نيسان / أبريل 2014.
    شكرا لافتقاد المقالات... فقط تفرغت للانتهاء من كتاب أشتغل عليه من أمد... غالبا أعود الأسبوع المقبل
  • »أين غابت مقالات الأستاذ أحمد؟ (أبو أحمد)

    الأربعاء 9 نيسان / أبريل 2014.
    هل ستقتصر مقالات د. أحمد جميل عزم على يوم الجمعة؟ نفتقد كتابته ومقالاته الرصينة كان أفضل الكتاب في الشأن الفلسطيني
  • »ثقافه لم تأخذ حقها (خلدا الاردن)

    الجمعة 4 نيسان / أبريل 2014.
    كلام جميل يقابله سؤال بريئ لمذا حوربت الثقافه الفلسطينيه في اكثر من عاصمه عربيه وكم مسرحيه واغنيه وقصيده ملتزمه سمح لها بالانتشار في بلادنا العربيه بينما العالم كله يقف اجلالا عندما يشاهدها ويتفاعل معها طبعا نفترض حسن النيه في ذلك .
  • »هذا البحر لي (بسمة الهندي)

    الجمعة 4 نيسان / أبريل 2014.
    أستاذ أحمد، افتقدنا مقالاتك هذا الأسبوع.
    اطلالتك كل جمعة علينا ينطبق عليها عنوان أخر عرض موسيقي للفنانة الفلسطينية سلام أبو آمنة؛ جايبلي. فمقالك الجمعة "جايبلي" دائماً سلام من فلسطين لنا نحن القراء.
    كل مدينة في فلسطين تبدو لي أنها عاصمة ثقافية، وهذا ما يميز الثقافة في فلسطين فهي غير محشورة في مدينة واحدة أو بفعل رسمي قسري. دول كثيرة مستقلة لا تملك حيوية الثقافة الفلسطينية وعمقها وتأثيرها المحلي والعالمي، فالفلسطينيون يحيكون من الاسلاك الشائكة التي تحاصرهم ثوباً فلسطينياً مطرزاً زاهياً.
    مقالك ذكرني بكلمات محمود درويش "هذا البحر لي، هذا الهواء الرٌطْب لي، هذا الرصيف وما عليْهِ من خطاي...“ لي، ومحطٌة الباصِ القديمة لي، ولي شبحي وصاحبه، وآنية النحاس وآية الكرسيٌ ، والمفتاح لي".