الإسلام السياسي والإسلام الاجتماعي في تركيا

تم نشره في الجمعة 4 نيسان / أبريل 2014. 11:00 مـساءً

العنوان في تركيا هذه الأيام، هو الصراع بين أبناء التوجه الأيديولوجي الواحد: الحزب السياسي الإسلامي الحاكم منذ اثنتي عشرة سنة، بقيادة رجب طيب أردوغان، والحركة الإسلامية ذات الطابع الاجتماعي، الناشطة في التعليم والإعلام والثقافة والعمل الخيري، بقيادة فتح الله غولن. وهو الصراع الذي انتهت جولته الأولى إلى انتصار الأول؛ حزب العدالة والتنمية، في الانتخابات البلدية قبل أيام. لكن الجولات المقبلة ربما تكون أكثر سخونة!
تركيا اليوم أمام نقطة انعطاف رئيسة في تاريخها المعاصر؛ فبعد سنوات من التحالف بين التيارين، أفضت إلى سيطرة الحزب على السلطة، وساهمت في توسع حضور ومساهمات الحركة، المعروفة بحركة "الخدمة"، في مختلف المجالات، يبدو أن طموحات كل واحد من الطرفين تجعل من الصعب استمرار تفاهمهما. فـ"العدالة والتنمية" يلمس في نفسه قوة وشعبية تغنيه عن دعم الحركة ومؤسساتها، وتجعله تواقاً لتنفيذ أجندته الخاصة كلها، بما فيها السيطرة المطلقة على مفاصل الدولة، وأسلمتها على الوجهة التي يفهمها الحزب المصنّف "إخوانياً"، وصياغة تحالفاتها الدولية ونفوذها الإقليمي بما يوافق أحلام أردوغان في استعادة السطوة العثمانية على العالم العربي والإسلامي. أما الحركة، التي تقول إنها لا تتدخل في السياسة، فتريد أن تظل لها كلمة مسموعة في مختلف اختصاصات الحكومة، بما في ذلك مؤسساتها الأمنية، لتساهم في تحديد شكل الدولة وخطابها وتحالفاتها الدولية وأحلامها الإقليمية، والتي لا تشبه أحلام أردوغان العثمانية أبداً، بل تتطلع إلى الاتحاد الأوروبي عوضاً عن المشرق العربي والإسلامي.
هكذا، يبدو "النموذج التركي" الذي عرفناه خلال السنوات الأخيرة، متمثلاً في إمكانية أن يستعمل حزب إسلامي خطاباً علمانياً، يجمع أنصار الديمقراطية والمواطنة وبناء الدولة، على أساس برامجي ليبرالي، فينقل الدولة من حال إلى حال، محققاً التنمية الاقتصادية والديمقراطية السياسية والحكم الرشيد النزيه، يبدو مهدداً إذا ما استمر هذا الصراع. إذ قد تنتقل الدولة نتيجته إما إلى حكم الفرد، بغطاء ديني، بخاصة أن حزب أردوغان يتوعد خصومه ويشكك في وطنيتهم مهدداً بغلق مدارس الحركة ومؤسساتها، أو إلى دولة من غير نموذج "إسلامي" مختلف، بخاصة أن الحركة آخذة بالانحياز إلى خصوم أردوغان السياسيين، ذوي التوجهات غير الإسلامية.
في أنقرة واسطنبول، اللتين زرتهما مع عدد من الزملاء خلال الأسبوع الماضي، عشية الانتخابات البلدية، قال لنا أنصار الحركة إن حزب العدالة والتنمية بات يستخدم لغتين متباينتين: إحداهما دينية محافظة في الأرياف، تركز على فكرة "طاعة أولي الأمر"، والأخرى ليبرالية في المدن، تتحدث عن الحريات والديمقراطية، ما يشي -برأيهم- بعدم نزاهة الحزب وابتعاده عن الخط الذي اتخذه عند تأسيسه، وبنى على أساسه تحالفاته السياسية، متعهداً -وقتها- بتعزيز الديمقراطية، والدفاع عن حقوق الإنسان، ومنع تدخل الجيش في السياسة، والعمل على ضم تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.
أنصار أردوغان يرون في المقابل أن الحركة تتصرف باعتبارها "دولة داخل الدولة"، وتريد التدخل في شؤون الحكومة رغم ادعائها أنها لا تتدخل في السياسة، من خلال كشف أسرار الدولة، وتشويه صورة رئيس الوزراء وحزبه الحاكم عبر سلسلة من الإشاعات وتلفيق التهم، بخاصة في مسائل الفساد التي كثر الحديث عنها.
المؤكد أن الحركات الإسلامية التركية حققت حضوراً هائلاً خلال العقد الأخير، يجعلها أكبر من أن تبقى معاً، ويتيح لها أن تتصارع على المصالح فيما بينها بعد أن أمنت خطر الجيش والقوى العلمانية التقليدية. ما يعني أن تركيا ستكون على موعد مع الأحداث الساخنة نتيجة هذا التطاحن بين حزب الإسلام السياسي وحركة الإسلام الاجتماعي، حتى حلول الانتخابات الرئاسية المقبلة في آب (أغسطس) 2014، ثم الانتخابات البرلمانية في العام المقبل.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مطلوب التنافس الشريف (عاصم)

    السبت 5 نيسان / أبريل 2014.
    بداية فان التدافع والتنافس الشريف هي سنة الحياة، ولولا هذه العملية المجتمعية الأساسية لفسدت الأرض وهدمت صوامع كما أشار القرآن الكريم. بل ان ما يعرف ب"قانون التنوع المطلوب" في علم التوجيه Cybernetics يؤكد الحاجة الماسة الى التعددية والى آليات تغذية عكسية متعددة لمنع الفساد والتوجه نحو الاصلاح في المجتمعات المعقدة والمتنوعة المعاصرة. التعددية البناءة اذن مطلوبة تنموياً وليست فقط مشروعة مجتمعياً.
    لكن مشكلة قيادة "الحركة" انها لم تعد تلعب وفقاً للقواعد الديمقراطية المعروفة من ناحية، وأنها تعمل تاريخيا من أمريكا وتتطلع مستقبلا الى الاتحاد الاوروبي كما أشار المقال .. وبالتالي فهي لم تعد برأيي تستحق وسام وصفها بأنها حركة "اسلام اجتماعي" وطنية ومخلصة للديمقراطية وللشعب التركي. بل ان سمة "الاسلام الاجتماعي" يجب ان تطلق على "خدمة الشعب وفقاً لتقييمه الانتخابي".