محمد برهومة

الفرق بين استحقاق الديمقراطية والتهيؤ لها

تم نشره في الجمعة 11 نيسان / أبريل 2014. 12:06 صباحاً

لم تنجح الثورات العربية الجديدة ضد الأنظمة المستبدة الفاشلة، في إنتاج واقع أفضل. ومن غير المضمون أن إعطاءها (الثورات) مزيدا من الوقت والفرصة، سيُنتج بالضرورة دولا أفضل. هذا يعني، بكل اختصار، أن الأنظمة والمعارضات فشلت في إنتاج هياكل عقلية واجتماعية عفية؛ قادرة على خلق حياة سياسية ناحجة في تحقيق التنمية ورعاية مصالح الناس وحفظ حقوقهم وحرياتهم، وتأمين الأمن لهم، وتطوير مستوى حياتهم.
إن حجم المعوقات الداخلية أولاً، والخارجية تالياً، أمام الثورات، أفرز الفرق الكبير بين القول إن المجتمعات العربية تستحق مبدئيا، كباقي الشعوب، الديمقراطية والعيش الكريم، وبين القول إن بنية هذه المجتمعات وأفكارها وثقافتها مهيأة أم لا للانتقال نحو الحداثة والديمقراطية.
المرجح أن ثمة علاقة طردية بين التشدد الديني والانغلاق الفكري من جهة، والتفكك الاجتماعي وانتشار العنف من جهة أخرى. وما تحلّى مجتمع بنعمة الأمان والسلم، وذاعت في جنباته قيم التضامن والمحبة والعقلانية والاعتدال، إلا كان أقرب إلى احتضان أفكار النهضة والتنوير، وأبعد عن التفاعل والتعايش مع نزعات الإقصاء ومحاولات فرض خيارات قسرية عليه تحت وطأة الإكراهات السياسية أو الأمنية. بطش السلطات من أهم موانع تهيؤ الشعوب للديمقراطية والنهضة، لكن ذلك لا يشرح القصة كاملة.
الاستبداد السلطوي والاستبداد المجتمعي ما يزالان قويين في دولنا. وضمور ثقافة السلم والتسامح والعقلانية، تكريس للتخلف والتنازع والفوضى. هذا مفتاح أساسي من مفاتيح النهوض والتقدم. وأمام المجتمعات والشعوب والمؤسسات والمنظمات والأفراد في منطقتنا، مسؤولية ترسيخ التسامح والاعتدال والتنوع والتعدد، ورفع الغطاء وسحب الحواضن الاجتماعية عن خطاب التعصب والعنف، سواء جاء من "حزب الله" أو كتائب "أبو الفضل العباس" و"عصائب الحق"، أم من "داعش" و"جبهة النصرة" و"القاعدة" و"كتائب عبدالله عزام" و"أنصار بيت المقدس" وغيرهم. ينبغي ألا أن يكون هؤلاء ناطقين باسمنا ومحددين لأفكارنا وطريقة عيشنا.
هناك قراءات استراتيجية متكاثرة تذهب إلى أنّ عددا كبيرا من دول المنطقة العربية ستعيش حتى نهاية هذا العقد، على الأقل، حالة من عدم الاستقرار والاضطراب السياسي والصراعات الداخلية. وما تفرضه حالة كهذه هو ضرورة إعادة مأسسة ثقافة السلم والتضامن، وهي في المعنى الأوسع تتويج لمكانة الأفكار والثقافة وقيم التضامن والتسامح والتعايش والمحبة الإنسانية، في إحداث انتقالات مجتمعية عفيّة باتجاه النهضة والديمقراطية والتنمية، من دون الحاجة إلى إحداث زلازل اجتماعية وأمنية تفكك النسيج الاجتماعي، وتهدر قيم المواطنة المشتركة، وتكرس العداوات والأحقاد، وتغري باستخدام العنف وإراقة الدماء لتهميش الآخر في الوطن وإقصائه والنيل منه ضمن معادلة صفرية، لا يسعفنا التاريخ بأن تقدما وتنويرا وحداثة قامت على مثلها!
لا تشيع الحريات وينتعش البحث العلمي وتتقد العقول وتتحقق التنمية، في غياب السلم الأهلي وتجاوز حكم القانون والاضطرابات الأمنية والسياسية. هنا يمكن الاستئناس بفكرة "الفتنة" التي كثر التحذير من ويلاتها في التراث الإسلامي، وتحديث مفهومها عبر مساواتها بمفهوم "الحرب الأهلية" في عصرنا. مع الانتباه إلى ضرورة التمييز بأن لا يكون هذا الاستئناس تبريرا لاستبداد سلطوي، أو تحجيماً للحريات العامة والفردية، أو لحق الشعوب في اختيار مصيرها وصناعة مستقبلها.
وتدل التجارب التاريخية أن افتقاد أي مجتمع للتوافقات الوطنية العريضة، والقيم المشتركة ذات المظلة الواسعة التي تضم أطيافا عديدة من التنوع والتعدد والثراء الثقافي والديني والاجتماعي... إنما يعني الافتقاد لركيزة أساسية في معانقة النهضة والتنوير والتنمية، وذلك لأن روح هذه الأخيرة متعلقة بالأمن والأمان والسلم والتضامن بين أبناء المجتمع الواحد.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الفرق بين استحقاق الديمقراطية والتهيؤ لها (ابومجاهد)

    الجمعة 11 نيسان / أبريل 2014.
    تدل التجارب التاريخية أن افتقاد أي مجتمع لثوابته الفكريه ، والقيم المشتركة لمبادئه . إنما يعني الافتقاد لركيزة أساسية في معانقة النهضة والتنمية، وهذا مايحدث للعرب الذي يجب ان تكون مجتمعاته اسلاميه فكرا ونظاما اذ انها حقيقة اسلاميه اسما وافكارها ونظامها ليس كذلك !!فكيف النهوض؟؟