"إنما المؤمنون إخوة"

تم نشره في الجمعة 11 نيسان / أبريل 2014. 12:00 صباحاً

د. محمد المجالي*

يا لعظمة هذا الدين وهو ينشئ المبادئ العظيمة التي تبني الحضارة الحقيقية، والتي تسهّل على الإنسان القيام بواجباته الأساسية التي خُلق من أجلها؛ حيث عبادة الله وعمارة الأرض.
فالإسلام لا يريدنا مجرد فئة منعزلة أو متقوقعة على نفسها، بل يريدنا أمة قائدة قدوة. هكذا كنا في الماضي إلى عهد قريب؛ تنظر إلينا الأمم بهيبة واحترام، حين قدمت أمتنا إسهاماتها في الحضارة الإنسانية وتقدم العلوم، وحين كانت تملك إرادتها الحرة، وتمتع أفرادها بالكرامة والحرية والعدالة، حين ارتبط مفهوم سياسة الناس بالعدالة والحرية. فكان المجتمع كله مجتمع مسؤولية، تفرغ لدوره الحضاري. وما كان من نقاط سوداوية متوقعة نتيجة لطبيعة الإنسان، فهي مغمورة في جانب هذا الرقي الحضاري الإسلامي.
من هذه المبادئ العظيمة مبدأ الأخوة. فالله قال في صريح كتابه: "إنما المؤمنون إخوة" (الحجرات، الآية 10). ولا نريد قصر معنى الآية على مناسبة نزولها للإصلاح بين المسلمين حين الاقتتال والفتنة، بل هو مبدأ عام يذكرنا به ربنا سبحانه؛ فالمؤمنون إخوة، بل النص هو "إنما المؤمنون إخوة". وبلاغيا، فالقصر له معناه، فما المؤمنون إلا إخوة، بمعنى أن إيمانهم يوجب عليهم أن يكونوا إخوة. وإن كان هناك عيب في أخوتهم، فلا شك أن هناك عيبا في إيمانهم، فليستدركوا هذا النقص. فقيم الإيمان أسمى وأجل من شتى القيم الأخرى، فلا يجوز الغضب لغير الله، ولا الاقتتال لغير الله، ولا السعي في هذه الدنيا من دون غاية سامية ترتبط بالله تعالى. وحين تتوحد الغاية عند الجميع في التوجه إلى الله، حينها تتحطم الغايات الأخرى، ويُقَدَّم الشرع على الهوى، وشأن الآخرة على شأن الدنيا.
عندما نتذكر مثل هذه النصوص القرآنية وننظر في واقعنا الممزق؛ حين صدّقنا أعداءنا الذين فرقونا شيعا وأحزابا وقوميات، ولم يقتصر الأمر على عربي وعجمي، بل تقسم أبناء العروبة، وكره بعضهم بعضا، ولأنه المبدأ الخاطئ، فقد انقسم أبناء البلد الواحد، والعشيرة الواحدة، واعتز الناس بمظاهر جاهلية. والعجيب أن القرآن يذكرنا دائما بأصل أبينا، وأننا جميعا منه. وهنا في السورة نفسها، سورة الحجرات التي سماها بعض العلماء بسورة الآداب لكثرة ما فيها من توجيهات وآداب، يقول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات، الآية 13). وهذا نبينا، صلى الله عليه وسلم، يوضح الأمر قائلا: "كلكم لآدم، وآدم من تراب. ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى"؛ فهذا ميزان التفاضل الحقيقي بين المسلمين، لا الجاه ولا المال ولا اللون، وإنما التقوى المبنية على طاعة الله والعمل من أجله سبحانه. وهنا كان الميدان الحقيقي الذي يكشف عنه تاريخنا المجيد؛ فكم رفع الإسلام من أقوام وأشخاص، وكم وضع من آخرين برغم جاههم ومالهم، فالعبرة بهذا العطاء والانتماء لله سبحانه.
وها هي مظاهر الجاهلية (ومنها الإقليمية) تطل برأسها في كثير من المناسبات؛ تفرق المسلمين وتفرق أبناء المدينة الواحدة. كثيرة هي الأحداث التي نسمع عنها وتصل إلى حد الدموية بين أبناء العشيرة الواحدة، فكيف بأكثر من عشيرة! وهكذا في ميادين الكرة والانتخابات الطلابية والنيابية وغيرها.
جاء هذا النص (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم) بين آية تتحدث عن الاقتتال بين طائفتين من المؤمنين، وما الواجب حينها تجاههم حيث الإصلاح، وإن لزم الأمر فقتال الفئة الباغية. وبين آيات أخرى تتحدث عن بعض آفات المجتمع؛ من سخرية ولمز وتنابز بالألقاب، وسوء ظن وتجسس وغيبة. وهي أمور وإن بدت صغيرة في عيون بعض الناس، لكنها عند الله عظيمة، فهي تفت في عضد المجتمع ووحدته ومتانة علاقاته، ومن هنا كان الترهيب العظيم من هذه الأمور.
إنه الإسلام العظيم يريد للمسلم أن يكون عالميا، ذا أفق واسع وصدر رحب يسع الآخرين، فكيف ببني جلدته. وإنها لمفارقة كبيرة أن نرى أنفسنا متقوقعين حول قوميات وقبائل، وننسى أن أبسط واجباتنا هي الدعوة إلى الله، وأن نكون قدوة في سلوكنا، وأنّ من أعظم الأخلاق هذا التواضع الذي يتغلب أحدنا من خلاله على كبرياء نفسه، وشهوة قلبه.
على الأمة، أفرادا وجماعات، أن تدرك حجم الخطأ حين نصغي لآخرين يريدون أن يجرونا إلى فتنة الفرقة والاقتتال والكراهية، وهي التي وصفها صلى الله عليه وسلم بالنتنة، وهي أيضا من مظاهر الجاهلية. ونريد الأخوة الحقيقية لا المظاهر التي سريعا ما تنتهي وتعود فيها الحماقة هي القائدة والموجهة. ولن يوحد الناس ويزيل الحواجز من بينهم مثل الإسلام العظيم الذي صهر الجميع بأخوة حقيقية، وألّف الله بين الناس. ولو أنفق محمد صلى الله عليه وسلم ما في الأرض ما ألّف بينهم، ولكن الله ألف بينهم.
ومن المفارقات هذه الأيام أن نجد مجتمعات غربية تحترم المواطن، بغض النظر عن لونه وعرقه، ولكنها هي التي تؤجج الفرقة بين المسلمين. ويندر أن نجد بلدا إلا وأحدثت فيه من النعرات وعوامل الفرقة الكثير. والعيب ليس في أولئك الذين يريدون لنا الفرقة، بل فينا حين نستجيب لهم وننسى مبادئ ديننا، ويكون فينا سماعون لهم مروّجون لأفكارهم.
يا له من دين، فحين عيّر أبو ذر بلالا الحبشي بأمه فقال له: يا ابن السوداء، وشكا بلال ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم فقال له: "أوتعيّره بأمه يا أبا ذر!؟ إنك امرؤ فيك جاهلية". وأراد أبو ذر أن يكفّر عن خطئه، فوضع رأسه على التراب، وطلب من بلال أن يطأ بقدمه على رأس أبي ذر، هكذا ليريه نقاء سريرته، فلعلها زلة لسان، ولكنه صمم أن يتحلل من مظهر من مظاهر الجاهلية بمظهر من مظاهر التواضع. فأن يضع رأسه على التراب وهو العربي ليطأه الحبشي، لهو قمة الاعتذار والتحلل من هوى النفس وكبريائها. هكذا علّم الإسلام أبناءه. وهو بلال نفسه الذي قال فيه عمر الفاروق رضي الله عنه: "أعتق سيّدُنا سيّدَنا"؛ يقصد أنْ أبا بكر أعتق بلالا، فسماه سيدا وهو العبد الحبشي، لكنه السابق إلى الإسلام، والمتحمل في سبيل عقيدته الآلام، وبهم قام الدين، ولهم الفضل علينا جميعا.

*أكاديمي أردني

التعليق