"عملية السلام" صرفت الانتباه: ما الذي حدث فعلاً خلال المفاوضات؟

تم نشره في الاثنين 14 نيسان / أبريل 2014. 12:00 صباحاً
  • مستوطنون متطرفون ينشئون بؤرة استيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة - (أرشيفية)

جوناثان كوك* - (ميدل إيست أونلاين)


ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

بذلت واشنطن جهداً مجنوناً في الأسابيع الأخيرة لمنع ما يبدو شأناً حتمياً -تفجر مفاوضات السلام الشرق أوسطية. وفي جهد اللحظة الأخيرة لثني إسرائيل عن النكث بتعهد بإطلاق سراح الدفعة النهائية من السجناء الفلسطينيين، رمت الولايات المتحدة باختصار بما قد يشكل أكبر ورقة مساومة تملكها: الإفراج عن الجاسوس الإسرائيلي المسجون لديها، جوناثان بولارد.
مع استمرار إسرائيل في حركتها الكسولة في المفاوضات، قام الرئيس الفلسطيني المغضب، محمود عباس، بتقديم طلبات للانضمام إلى 15 اتفاقية للأمم المتحدة، معيداً بذلك إحياء الحملة لكسب اعتراف دولي بدولة فلسطينية. ومع أن واشنطن ستستمر في جهودها الهادئة للضغط على الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني لوقت أطول قليلاً، يقال إن الرئيس أوباما يشعر بالقلق من أن الدبلوماسية الأميركية شرعت في الظهور كدبلوماسية "يائسة".
من الممكن أن يثبت فشل المفاوضات أنه لحظة كاشفة مهمة، والتي تشير إلى الموت الفعلي لحل الدولتين. وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل على حد سواء قد عولتا على المسرحيات غير المنتهية لعملية السلام التي طال أمدها لما يقارب العقدين. وكانت حالات تجميد الاستيطان، والإفراج عن السجناء، والنزاعات حول تمويل السلطة الفلسطينية، بالإضافة إلى المفاوضات المتقطعة بطبيعة الحال، قد شكلت كوسائل مفيدة لصرف الانتباه عن التطورات الرئيسية التي تجري على الأرض.
لاحظ باسم خوري، الوزير السابق في السلطة الفلسطينية: "إن إسرائيل لم تتغير. إنها ما تزال نفس الكيان الاستعماري الذي ينتهج نفس سياسات التطهير العرقي الذي مارسه طوال عقود". وهي أيضاً نفس الخلاصة التي لا يكاد يلاحظها أحد، والتي توصل إليها ريتشارد فولك عندما استقال في الشهر الماضي من منصبه كمقرر خاص للأمم المتحدة حول حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة. وفي خط مواكب للتحذيرات التي كان قد أطلقها وهو في منصبه الأممي على مدار الأعوام الستة الماضية، قال فولك، الأستاذ الفخري في القانون الدولي في جامعة برينستون، إن السياسات الإسرائيلية مصممة لتطهير الفلسطينيين عرقياً من الأراضي المحتلة، وخاصة من القدس الشرقية، العاصمة المتوقعة لأي دولة فلسطينية.
ولاحظ فولك أيضاً أن إسرائيل تلاعبت بالعملية السلمية على نحو مثير للسخرية من أجل توسيع برنامجها الاستيطاني، على النحو الذي فعلته مرة أخرى خلال مفاوضات الأشهر التسعة الأخيرة.
في اجتماعه مع أوباما في البيت الأبيض في الشهر الماضي، كشف عباس النقاب عن خريطة تظهر أن إسرائيل أقرت بناء أكثر من 10.000 منزل استيطاني منذ بدء المفاوضات. وقد ازداد ذلك الرقم أكثر حين أماطت إسرائيل اللثام عن خطة لبناء 2000 منزل استيطاني آخر، بما في ذلك 700 منزل تم الإعلان عنها في الأسبوع قبل الماضي في مستوطنة "غيلو" في القدس الشرقية.
في مقابل كل منزل استيطاني يتم بناؤه، يفقد الفلسطينيون مزيداً من الأراضي اللازمة، لا لإقامة الدولة وحسب، وإنما للإبقاء على إقامة العائلات الفلسطينية المفردة حيث تستقر في الوقت الحالي. وبذلك، يخفي مصطلح "المستوطنات" الذي يبدو في ظاهره حميداً ذلك الدور الحقيقي الذي تلعبه المستوطنات: باعتبارها العربة الأساسية التي تمارس إسرائيل من خلالها عملية التطهير العرقي للفلسطينيين من خلال نزع ملكياتهم والتضييق عليهم.
من جهتها، رحبت واشنطن بمغادرة فولك، واصفه إياه بأنه كان يشكل حضوراً "هداماً". لكن تحذيراته وجدت لها أصداء لدى آخرين، بمن فيهم تنظيمات حقوق الإنسان الفلسطينية والإسرائيلية. كما أكدت استنتاجات فولك مجموعة عادة ما توصف بأنها مجموعة حذرة: اتحاد الدبلوماسيين الأوروبيين. ولاحظ تقرير مشترك تم تسريبه لقنصليات الاتحاد الأوروبي في الأراضي المحتلة أن وتيرة التطهير العرقي في القدس الشرقية تتقدم حالياً بسرعة غير مسبوقة على الإطلاق.
مكمن قلق الدبلوماسيين المباشر هو احتمال نشوب "حريق هائل" على ضوء السماح لليمين الإسرائيلي المتطرف بوصول متزايد باطراد إلى الحرم القدسي فائق الحساسية حيث يقع المسجد الأقصى في البلدة القديمة من القدس الشرقية.
في سياق ضغطه من أجل منحه حقوق الصلاة في المسجد، يأمل اليمين الإسرائيلي في أن يحصل من حكومته في نهاية المطاف على موافقة لتقسيم المسجد الأقصى، كما كان قد حدث مع الحرم الإبراهيمي في الخليل حين حولت سيطرة المستوطنين عليه مركز المدينة الذي كان ناشطاً في السابق إلى بلدة أشباح فلسطينية.
في القدس الشرقية، تبدو سياسات التطهير العرقي الإسرائيلية في أوج كثافتها. ووفق ما يشير إليه الاتحاد الأوروبي، فإن الفلسطينيين هناك محرومون من تمويل البلدية، ومن المدارس، وهم يُمنعون من مزاولة النشاط التجاري، ويغادرون سعياً إلى الأمن الأكثر توافراً في مدن الضفة الغربية. وفي الأسابيع الأخيرة، اكتشف الفلسطينيون في بعض مناطق القدس الشرقية أن إسرائيل توقفت عن تزويدهم بالمياه، حتى رغم ادعاءاتها بأنها تتعامل مع كل القدس باعتبارها "عاصمتها الموحدة".
في الأثناء، توفر البيانات الرسمية مؤشرات على نوايا إسرائيل الفعلية. وتظهر أرقام الربع الأول من العام الحالي أن إسرائيل باعت أراضي للمستوطنين لبناء بيوت في الضفة الغربية والقدس الشرقية أكثر مما فعلت للإنشاءات في داخل إسرائيل نفسها. وقد تضاعفت الإنشاءات الإسرائيلية في مناطق الضفة الغربية أكثر من ضعفين عما كانت عليه في الفترة نفسها من العام الماضي.
في الأسابيع الأخيرة، أحبطت لجنة من الكنيست الإسرائيلي فعلياً جهوداً من أجل إجبار الحكومة على الكشف عن حجم إنفاقها على الإنشاء الاستيطاني. ورغم ذلك، استطاع نواب اليسار انتزاع أرقام خزينة جزئية تظهر أن موازنة الاستيطان قد ارتفعت بواقع يصل إلى 143 مليون دولار على الأقل خلال الأشهر الستة الماضية في أوج المفاوضات مع الفلسطينيين.
وفي إشارة أخرى إلى الكيفية التي ما تزال إسرائيل تكرس بها المستوطنات بينما تقدم المزاعم الكلامية في عملية السلام، كشفت وسائل الإعلام الإسرائيلية عن أن هناك 24 مشروعاً للبنية الأساسية الرئيسية التي تم إقرارها في الضفة الغربية. وهي تتضمن إنشاء أكثر من 57 مليون طريق استيطاني جديد، وأول خدمة قطارات تربط المستوطنات بإسرائيل.
لا تقتصر سياسات نزع الملكية التي تنتهجها إسرائيل على الأراضي المحتلة. فقد أضيفت دفعة جديدة خلال الشهر الماضي إلى خطة وزير الخارجية، أفيغدور ليبرمان، لإعادة ترسيم الحدود من أجل حرمان جزء من الأقلية الفلسطينية الكبيرة في إسرائيل من مواطنيتها. ولأول مرة، رفض محامو الحكومة الإسرائيلية رأي خبراء القانون الدولي وأعطوا مباركتهم لما وصفته يومية "هآرتس" الليبرالية ببرنامج ليبرمان لـ"التطهير العرقي" لمواطنيها أنفسهم.
في حال انهارت المفاوضات، فإنه يجب أن يكون واضحاً أنه في الوقت الذي كان يفترض فيه أن الجانبين يتحدثان، فإن جانباً واحداً -إسرائيل- كان يتصرف بشراسة ومن جانب واحد من أجل تحقيق أهدافه الخاصة.
الآن، يبدو أن القيادة الفلسطينية سترد بالمثل عبر الدفع بمساعيها لإقامة الدولة لدى الأمم المتحدة. وكانت إسرائيل قد هددت أصلاً باتخاذ "إجراءات عقابية"، ما يعني القيام بأشياء يرجح أن تكون أكثر فظاعة. لكن التفكير الآمل قد يكون شارف على نهايته -وسوف يكون ذلك تقدماً في حد ذاته.

*كاتب فائز بجائزة مارثا غيلهورن الخاصة للصحافة. كتبه الأحدث هي "إسرائيل وصدام الحضارات: العراق وإيران وخطة إعادة تشكيل الشرق الأوسط" (مطبعة بلوتو)، و"فلسطين المتلاشية: تجارب إسرائيل في البؤس الإنساني". (كتب زد).
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Distracted by the Peace Process – What Really Happened during the Talks 

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

@abdrahamanalhuseini

التعليق