محمد برهومة

ضرورات تثقيف التدين

تم نشره في الخميس 17 نيسان / أبريل 2014. 11:00 مـساءً


هل من تأثير للأزمة السورية في أنماط التدين، وموقع الدين في المجال العام ومشاريع النهوض؟ سؤال يكتسب راهنيته من أنّ اكتشاف عورات الأحزاب الإسلاموية في سورية ولبنان ومصر وليبيا وغيرها، لم يفرز حالة أنضج من التديّن، كما لم يُصعّد جدلا وحواراً عاميّن حول ضرورات تثقيف التديّن، والقطع مع "الجهل المقدس" بتعبير أوليفييه روا.  وفي مقابل هذه الرؤية غير المتفائلة والمتحفظة، ثمة من يتبنى رؤية ثانية، تقول إن تجربة السنوات الثلاث الماضية من عهد الثورات العربية، من شأنها أن تخلق بذور وعي ديني أكثر نضجاً واعتدالا وتسامحا؛ مستفيدة من التجارب التي وضعت الأحزاب السياسية تحت المحك.
الرؤية الأولى المتحفظة تعتقد أنه لا مؤشرات في الأفق إلى أنّ ثمة مناخاً من التعقل والتحرر يتوطّن حيال النظر في الدين والتدين، ومجمل النسق القيمي والثقافي، بل على العكس؛ يُخشى أنّ استمرار فشل الثورات على الأنظمة الفاسدة الفاشلة، من شأنه أنْ يكرّس الحالة القدَرية لدى المجتمعات العربية، ويضعف في وعيها العام أكثر فأكثر التعويل على الإرادة الإنسانية في صناعة الحياة والمصير والمستقبل. هنا تستعاد شعارات "ما إلنا غيرك يا الله"، في سياق أجواء أشدّ سلبية وهشاشة، ويغدو الدين كملجأ نفسيّ من ويلات الحروب والنزاعات، ويفيض بالتالي دوره التنويريّ في تحرير الإرادة الإنسانية واستقلالها.
ثورات المنطقة، وعلى رأسها السورية، لا يبدو أنها تتغلب على جمود الهياكل العقلية والاجتماعية والاقتصادية القائمة. والتجربة تقول إن التدين لا ينضج وينتعش ويتحرر ويتعقلن إلا في حالة كسر هذا الجمود. بهذا المعنى، كما يقول عبدالجواد ياسين، تمثّل الحداثة، على الدوام، تهديدا محتملا للتدين، ولكنها تتحول إلى المواجهة عند نقطة التغيّر الجذري في الهياكل الكلية (العقل-اجتماعية)، حيث لا يعود بمقدور النظام الديني إشباع حاجات النظام الاجتماعي، أو لا يعود بإمكان النظام الاجتماعي تحمّل إلزامات النظام الديني.
حالة الانقسام والاستقطاب الحادّتين في مجتمعات الثورات، تعرقل إفراز جدل ثقافي حقيقي يسائل الفكرة الدينية، ويطرح بصراحة ووضوح كيف أن التدين الخشن المغلق المسلّح بالعنف والإقصاء كان عاملا مانعاً لنجاح الثورة السورية. كان المفروض، أمام ضريبة الدم الباهظة، واللجوء والتشريد لعشرات آلاف السوريين، أن تنهض حالة وطنية تتجه، من ضمن ما تتجه إليه، إلى تبني تصوّر جديد لنظام التدين، يتم فيه التخلص من المكونات التدينية التي تشكّل منبعا للهزيمة أمام البطش والاستبداد، ومعوّقاً أمام النهوض والتقدّم. هذه الحالة على النقيض من الفهم الشعبي الراسخ والشائع الذي يحيل أسباب الهزائم إلى التقصير بحق الدين.
الرؤية الثانية يعبّر عنها الأكاديمي المصري نصر عارف، من خلال اعتقاده أننا نعيش مرحلة "نهاية محاولات التوظيف السياسي للإسلام"، وأن محاولات جماعة "الإخوان المسلمين" لأن تكون بديلا عن المجتمع في مصر وغيرها، فشلت، وأن ثمة وعياً باسترجاع الدين من ملكية الجماعة إلى مسؤولية أفراد المجتمع؛ بحيث يكون كل إنسان حرّا في تدينه، وحرا في التعبير عن تدينه، متحررا من حالة النفاق الاجتماعي الذي صاحب نمط التدين الذي رعته جماعة "الإخوان"، الأمر الذي من شأنه تحرير الإنسان من الخديعة باسم الدين أو شعاراته، وفي هذا تخفيف من عقلية القطيع في مسألة التصويت الشعبي لكل من يرفع شعار الإسلام.
هاتان الرؤيتان بحاجة إلى النقاش بشأنهما باتجاه إنتاج نماذج مثقفة وواعية من التدين، ترتكز إلى ترسيخ العقلانية وحرية الإنسان واستقلال إرادته. مثل هذا الهدف سيعالج واحدا من العوامل الداخلية الأساسية التي جعلت نتيجة الثورات العربية غير مشجعة؛ فعنصر الاستبداد والقمع السلطوي على أهميته الكبرى، لا يختزل تلك النتيجة، وسنبقى بحاجة إلى مزيد من النقد للاستفادة مما يجري.

التعليق