عيسى الشعيبي

الفرار من أمام شاشة التلفزيون

تم نشره في الجمعة 18 نيسان / أبريل 2014. 12:01 صباحاً

"لم يعد في وسعي مشاهدة نشرات الأخبار في التلفزيون". مثل هذا القول وغيره من العبارات المشابهة، أخذت تتزايد على ألسنة كثيرين ممن أعرفهم وألتقيهم في الآونة الاخيرة، بعد أن كانت تتردد لماماً في الفترات السابقة. وذلك بعد أن اشتد الجزع من المشاهد المبثوثة على مدار الساعة، في عدد من الديار العربية، وتحول الفرار من أمام الشاشة، مؤخرا، إلى ما يشبه ظاهرة عامة واسعة الانتشار، حتى إن بعض أصدقائي من المدمنين على متابعة التطورات في الجارة الشمالية يقولون الآن إنهم أغلقوا التلفزيون، بعد أن امتلأت نفوسهم حد الإشباع بالصور المروعة.
وإذا كانت مقاطعة النشرات الإخبارية المصورة مسألة سهلة بالنسبة لغير المشتغلين بالهمّ العام، وهم أكثرية الناس بالضرورة الموضوعية، فإن اتخاذ مثل هذه الخطوة من جانب النخب السياسية والإعلامية والثقافية، ممن كف أفرادها عن ممارسة عادة ملاحقة الأخبار، تجنباً لهول المجريات الموجعة للقلب، تبدو صعبة جداً، وغير قابلة للتطبيق زمناً طويلاً، طالما أنهم جزء من ماكينة الإعلام التي تعمل ليلاً ونهاراً. وفوق ذلك، هم أصحاب رأي، ولديهم مواقف سياسية مسبقة، ومتورطون في السجال الذي لا نهاية له، حول مخرجات "الربيع العربي" وتأويلاته الملتبسة.
على أن المسألة التي تستحق النقاش أكثر من غيرها على هذا الصعيد، تظل ماثلة أساساً في هذا الكم من الصور التي تقطّع نياط القلب؛ وفي هذا الفيض من المشاهد الفيلمية المتدفقة، حول مجازر وحشية لا يحتملها الضمير الإنساني، أياً كان موقف الشخص من طرفي النزاع، لاسيما ما يتعلق منها بصور المقتولين تحت التعذيب والتجويع، وفق ما تم عرضه في قاعة مجلس الأمن الدولي قبل ثلاثة أيام. الأمر الذي يصعب فيه على المرء تفرّس الأجساد النحيلة من دون أن يصاب بالغثيان، أو بلوثة جنون مؤقتة، لشدة ما تقصّه آلاف الصور المدققة من جانب خبراء دوليين موثوقين، من حكايات عذاب حتى الموت، ومن سادية أجهزة تحقيق تجردت من إنسانية الإنسان في طوره البدائي.
ومع أن الطابع الوحشي كان ملازماً لكل جولات الحروب والنزاعات الأهلية على مدار التاريخ، وكانت مظاهر القسوة فيها أشد هولاً من الصراع على الموارد والحدود والنفوذ، إلا أن ما يتواتر اليوم من أنباء صادمة للوجدان، وما تتناقله شاشات التلفزيون وموقع "يوتيوب" من مشاهد تقتيل بدم بارد، وانتهاكات بشعة للحرمات والأعراض، ناهيك عما تحفل به من دمار وخراب، تشير كلها إلى أننا الآن أمام حروب ذات طبيعة يتداخل فيها الدافع الديني مع الادعاء السياسي، وتختلط في ثناياها الهواجس والمخاوف المتبادلة، لتنتج شكلاً غير مسبوق في تاريخ الحروب التي تستسقي الدماء فيها الدماء، وتكتسب روح الانتقام مزيداً من الزخم الذاتي والهذيان.
ولعل ما هو أشد فداحة وأصعب على الخيال، هو هذا الإجماع لدى معظم المراقبين السياسيين والمحللين الاستراتيجيين، على أن الحرب الدائرة في سورية منذ أكثر من ثلاث سنوات، مقدر لها أن تتواصل على نحو أقسى، وبصورة أمرّ وأدهى، لمدة قد لا تقل عن عشرة أعوام أخرى. الأمر الذي ينذر، مع شديد الأسف والالم، أن ما ينتظر السوريين من فواجع، وما قد يصل إلينا من تداعيات وتوابع وارتدادات، سوف يؤدي إلى تعودنا على مثل هذا الأمر، وإلى تبلّد إحساسنا حيال الضحايا، جراء ما يتراكم يوماً بعد يوم في نفوس فاضت كؤوسها بالالتياع منذ اليوم.
إزاء ذلك كله، يبدو من المفهوم لماذا شرع كثيرون من حولنا، بمن فيهم ذوو الضمائر الإنسانية الرهيفة، في الإعراب علناً عن عدم قدرتهم على تحمل المزيد من الأنباء المحزنة، ورغبتهم في هجر الشاشة المنزلية، التي باتت قنواتها الإخبارية المتخصصة تتسابق لنقل الصور الفظيعة بكل المعايير من دون تردد، وبث المشاهد الإجرامية التي لا نظير لها على الفور، خصوصاً ونحن نعيش اليوم في عصر الفضاءات المفتوحة، وتكنولوجيا الثورة الرقمية المتعاظمة؛ بما جعلنا أكثر استباحة من ذي قبل لهذا الضخ الإعلامي، وأشد انكشافاً أمام المشاهد المنقولة من عين المكان. وهو ما أصاب البعض منّا بالذعر من الجلوس أمام التلفزيون احياناً.

التعليق