أصحاب مهن شاقة.. كفاح يومي لا ينقطع وحقوق وظيفية غائبة

تم نشره في الأربعاء 30 نيسان / أبريل 2014. 11:00 مـساءً
  • عمال المشاريع الانشائية.. عمل شاق ومخاطر تفتقر للكثير من الضمانات والتأمين والحماية-(تصوير: محمد أبو غوش)

منى أبو صبح

عمان - يقف الخمسيني أبو علي أمام وهج النار في فرنه، ينتظر أن تنضج قطع العجين، التي وضعها في بيت النار، لتنضج خبزا، بادئا عمله هذا مباشرة بعد صلاة الفجر يوميا، بالنشاط والحيوية، منتهيا بها بعد غياب الشمس.
وكما آلاف العمال الذين يعملون في مهن حرة او مؤسسات صغيرة ومحال الخدمات، فإن أبي علي، الذي ترك لهيب نار الفرن آثاره على وجهه، لا يخلد للراحة بأيام العطل، حتى في عيد العمال، رغم محاولات عائلته المتكررة لإقناعه بذلك.
يقول ابو علي: "العمل عبادة، وأنا ورثت هذه المهنة عن والدي، ولا أعرف سواها، ورغم مشقة العمل بها، إلا أنها مصدر رزقي في تأمين متطلبات الحياة".
ولا تمنع حرارة الصيف وأجواؤه الصعبة ابو علي، وكل الفرانين، عن مواصلة العمل بهذه المهنة، ويقول "إقبال الناس على الخبز، ورغبتهم في الحصول عليه طازجا وساخنا، لا يتغير بتغير الفصول، ورغم الأجواء الحارة صيفا، نلبي حاجة الناس"، وهو يعتبر أن أجمل أوقاته هي أمام بيت النار في الفرن، حيث العمل والرزق.
أبو علي وعشرات الآلاف يخرجون في الصباح الباكر، متجهين إلى عملهم، بناؤون، نجارون، سباكون، حدادون، سائقو تاكسي، سائقو حافلات وغيرهم، لا تمنعهم أشعة شمس حارقة من أداء واجبهم، والبحث عن لقمة العيش.
هي مهن صعبة وشاقة، تحتاج للكثير من الصبر وقوة التحمل، ولمجهود بدني كبير، لكنها لقمة العيش ومتطلبات الحياة، وإعمار الأرض، والتي تدفع العمال في كل العالم للإنجاز والبناء.
بمناسبة يوم العمال، الذي يصادف اليوم، الأول من أيار (مايو) من كل عام، تحدث عدد من العمال عن متاعبهم التي تواجههم في هذه المجالات المهنية الشاقة.
عامل البناء غازي سلمان (28 عاما)، الذي اختار المهنة منذ الصغر، اعتاد القيام بالأعمال الشاقة، التي تتطلب جهدا عضليا وجسمانيا، وسرعة في التحرك منذ سنوات عدة، حيث يقوم بعمله بنقل المواد الإنشائية من موقع إلى آخر، وتنفيذ مهام مختلفة، حسب تعليمات المقاول ومعلم البناء، حسب قوله.
وعن يوم العمال يقول، "هو يوم عطلة رسمية في العالم، تقديرا لجهود كافة العاملين، لكني وغالبية العاملين بهذه المهنة، لا نستطيع المكوث في المنزل للراحة، فهناك أعمال يجب أن ننجزها في وقتها المحدد".
ويلفت إلى أن العمل "غير متوفر" بشكل يومي، "فأحيانا يمر أسبوع كامل وأنا عاطل عن العمل"، وذلك يعود إلى وجود "حشود كبيرة من العاطلين عن العمل ممن يبحثون عن مصدر رزق لهم".
محمد العمايرة (42 عاما)، يعمل سائقا لسيارة تاكسي، بضمان 25 دينارا يوميا، يشير إلى أن معاناته الدائمة تنحصر في تأمين الضمان اليومي، خصوصا في ظل ضعف إقبال الناس على الركوب في سيارة التاكسي، نظرا للظروف الاقتصادية السائدة، والاستعاضة عن ذلك بالركوب بالباص.
ويلفت لصعاب هذه المهنة بقوله، "يعتقد البعض أن عمل سائق التاكسي لمن ليس له شغل، أو أنه بسيط، لكننا نبقى وراء مقود السيارة طوال اليوم، ما يسبب لنا مشاكل صحية عدة، إلى جانب تنقلنا من منطقة لأخرى تحت أشعة الشمس الحارة صيفا، والباردة شتاءا".
ويبين أنه يعمل نحو 16 ساعة يوميا، بما في ذلك يوم الجمعة، وأيام العطل الرسمية، لكي يتمكن من تأمين الضمان اليومي، ومصروف قليل له ولبيته.
وكذلك، هو حال سائق الحافلة شاهر بدوي، الذي وضع قطعة قماش على النافذة، لحجب أشعة الشمس الحارة عنه قليلا، يقول "يعد فصل الصيف الأكثر قسوة علينا، فمهنتنا لا تعرف الجلوس في الظل، كما أن جميع الباصات الصغيرة تخلو من التكييف، فقط الباصات الكبيرة".
ويضيف أن تعرضه كل يوم للشمس غير لون بشرته، كما أن أشعة الشمس الحارقة، وازدحام الطرقات بالمركبات يعمل على إصابته بالصداع والتوتر غالبا، لكن هذا هو عمله، وليس لديه بديل غيره. أما سلمان فيبادر إلى تهنئة جميع العاملين في الوطن بمناسبة يوم العمال، ويتمنى أن تتحسن أوضاع جميع العاملين المكافحين.
الاختصاصي الاجتماعي د.حسين خزاعي يقول بهذه المناسبة "ننظر دائما إلى مثل هذه المناسبات الدولية بأنها بمثابة وقفة مراجعة لتقييم كافة الأعمال والخدمات والتسهيلات والتشريعات التي تقدمها الدولة أو الحكومة إلى فئة العمال، وخاصة أنهم الفئة الأكثر إنتاجا بعملهم وتعبهم ومشقتهم وجهدهم، فهم يديرون عجلة التقدم والإنجاز".
ويتابع "يجب ألا تكون مجرد مناسبة نحتفل بها في يوم، ولساعة محددة، ثم نغادر، المطلوب منا مراجعة كافة التشريعات والأنظمة والقوانين المتعلقة بالعمال، وأيضا تأمين كافة حقوقهم وامتيازاتهم وتحسينها وتطويرها، تطوير الأنظمة والتشريعات التي لها علاقة بالعمل وتحسين البيئة الاجتماعية والاقتصادية لهم، ورفع معدل الأجور، وخاصة أن 46 % من القوى العاملة الأردنية رواتبهم أدنى من 300 دينار (أدنى من خط الفقر)، وأيضا تحسين مستويات أسرهم بهدف تحقيق الاستقرار الوظيفي والرضا الوظيفي.
والمطلوب أيضا من الدولة أن تدرس مطالب الإضرابات العمالية، وخاصة أن 60 % من هذه الإضرابات في مختلف المجالات كانت مطالبها تتعلق بتطوير الأنظمة والتشريعات والقوانين التي ترفع من سوية العمل، ورفع الأجور.
وشدد الخزاعي على ضرورة أن تأخذ الدولة بعين الاعتبار الحراك العمالي الأردني، ومطالبه، لافتا إلى أن نسبة الاعتصامات العمالية تبلغ 45 % والإضرابات 40 % والتهديد بالتوقف عن العمل 12 %، مشيرا إلى أن الإضرابات تتم بصورة حضارية، تريد أن ترسل رسائلها إلى الدولة، وخاصة أن 50 % من الاحتجاجات تطالب بزيادة الأجور.

التعليق