البازار العالمي العظيم

تم نشره في الثلاثاء 6 أيار / مايو 2014. 12:00 صباحاً

اسثر دايسون*

نيويورك – أنا أعيش في نفس الشقة في مدينة نيويورك منذ 40 سنة تقريبا ولكنني في الواقع عشت فيها فعليا لأقل من نصف تلك المدة، وذلك بسبب برنامج سفري المزدحم. انا استمتع بذلك، فتجاربي بالخارج علمتني اهمية ان يكون لدي عقل متفتح وأعطتني الرغبة بأن أحيد عن الطرق المألوفة ليس فقط من اجل ان تبقى حياتي ممتعة ولكن ايضا حتى افهم مغزى حقيقة ان الاشياء لا تبدو متشابهة عندما يتم النظر اليها من زوايا مختلفة.
ان أهم الدروس عادة ما نجدها في الامور العادية، وهي جوانب الحياة اليومية التي يعتبرها الناس المحليون من المسلمات بينما عادة ما يغفلها السياح، فعلى سبيل المثال عندما كنت في فندق وسترن في كوريا الجنوبية كان هناك رسم تخطيطي بجانب المرحاض وذلك لتوضيح كيفية استخدامه بالطريقة الصحيحة وهذه الطريقة تتمثل في الجلوس على مقعد المرحاض بدلا من جلوس القرفصاء عليه كما هو الحال في المراحيض الكورية الجنوبية التقليدية.
في سنة 1989 وخلال رحلة لاستونيا والتي كانت في تلك الفترة ما تزال جزءا من الاتحاد السوفياتي سألت مترجمتي والتي تعمل كذلك كطبيبة اسنان ان تأخذني لعيادة الاسنان الخاصة بها، وبعد ان نظرت إلى معداتها وهي معدات قديمة ذات لون اخضر بائس علمت ان مترجمتي وزملاءها كانوا يدعمون رواتبهم الحكومية بدفعات مباشرة (وأعلى كثيرا) من السياح الفلندنيين الذين يزورون استونيا لمعالجة اسنانهم، ولقد قالوا لي انهم عندما يقومون بتوفير مبالغ كافية يقومون بشراء معدات جديدة من اجل فتح عيادات خاصة بهم.
لقد شرحت لي مرشدتي والتي هي ايضا طبيبة اسنان ان عملها يتضمن كذلك التثقيف الصحي؛ اي زيارة المدارس المحلية من اجل تعليم الاطفال كيف ينظفون اسنانهم ولكنها لاحظت ان العديد من الاطفال لا يملكون المال الكافي من اجل شراء فرشاة الاسنان فلم يكن لدي اية فكرة ان علبة خيوط تنظيف الاسنان في جيبي والتي قمت بتسليمها بسرعة كانت قيمة للغاية.
في نفس الفترة تقريبا وعندما كنت جالسة في مكتب حكومي في موسكو، اكتسبت معلومة صغيرة ولكنها مهمة في الوقت نفسه فعندما رن الهاتف لم يتحرك احد وهي ردة فعل تثير اعصاب اي أميركي نظرا لان اي اتصال هاتفي يستوجب ردة فعل فورية وذلك توقعا لفرصة ما وعندما سألت عن الموضوع،قام الموظفون بشرح ما كان واضحا بالنسبة لهم "الناس يتصلون بالمكاتب فقط عندما تكون هناك مشاكل". لقد كان من الواضح أنه بالنسبة لهم حل المشاكل لم يكن جزءا من عملهم.
لقد كانت فترة أواخر الشيوعية فترة غريبة حقا فلقد أخبرني صديق مجري والذي عمل في فندق في بودابست خلال تلك الفترة عن امر حدث له وكان مفاجئا بحق فعندما تم الطلب منه ان يأخذ عدة زجاجات من الماء إلى غرفة لم يكن يعرف في السابق انها موجودة، وجد مجموعة من الرجال يضعون سماعات ويتصنتون على ماذا يحدث في الغرف الاخرى.
وفي سنة 2008 قضيت إجازة عطلة نهاية الاسبوع في باكو –اذربيجان وهي مسقط رأس صديقتي ورفيقتي في السفر تاتيانا كانزفالي وهي بطلة شطرنج سابقة علما انها كانت عادة ما تلعب ضد جاري كاسباروف والذي نشأ وترعرع في نفس المدينة. لقد كانت فرصة رؤية المدينة من خلال اعين محلية وسماع قصص عن كل شيء – قصص عن مدرسي المدارس الثانوية إلى قصص عن نقص الغذاء- فرصة قيمة للغاية.
لقد اعتقدت ان كلمة الييف تعني شارع لان اسم الييف كان يظهر على كل شارع ولكني علمت ان الييف هو اسم الحاكم حيدر الييف والذي خلفه في الحكم ابنه إلهام سنة 2003 حيث ما يزال في الحكم حتى يومنا هذا.
خلال زيارتنا قمت انا وصديقتي بزيارة دار للايتام والتي ارسلت لها صديقتي دزينة من اجهزة الحاسوب في العام السابق والبعض تم توزيعه على موظفي الادارة ولكن البعض الاخر متوفر الان للاطفال من اجل استخدامه خلال الدروس التي تجري تحت اشراف المدرسين. انا اتذكر بوضوح سعادة الاطفال وهم يركضون في الساحة وهم يلعبون بأقلام نفخ الفقاعات والتي احضرناها لهم.
وأخيرا وقبل سنتين في كوبا وبعد ان اعلنا عن حاجتنا "لرواد أعمال" مستخدمين تويتر، اتيحت لي فرصة لقاء العديد من المنشقين. لقد كان الاجتماع مذهلا بالرغم من وجود رجلين على الطاولة المجاورة لنا كانا يسترقان النظر إلينا من خلف الجرائد التي كانوا يتظاهرون بقراءتها.
لكن السعي للمعرفة هو شيء مفيد ليس فقط في البلدان الاجنبية فمن المهم للغاية اكتساب المعرفة فيما يتعلق بالاختلافات والتشابه بين اناس ينتمون إلى خلفيات مختلفة حتى اولئك الذين يفصل بينهم عدة اميال او عدة بلدات فقط.
انا آمل ان اتبنى هذا النهج خلال أسفاري داخل الولايات المتحدة الأميركية من اجل مسابقة الطريق إلى ويلفيل وهي مسابقة سوف تشترك فيها خمسة مجتمعات محلية من اجل تحسين صحتهم. لقد قمت بصحبة ريك براش الرئيس التنفيذي للمسابقة بزيارة عدد من المجتمعات المحلية (10-15 مجتمع محلي) والتي سوف نقوم باستكشافها قبل ان نختار المتسابقين الخمسة.
لقد توقفنا في لانكستر، بنسلفانيا حيث التقينا بمجموعة من المواطنين المهتمين بالشؤون الصحية والمدنية في احد المدارس. لقد وصف المعلمون تجربة الطلب من المطاعم عند الذهاب اليها لتناول وجبة ما ان تضع لك بقايا وجبتك في كيس وذلك من اجل تثقيف الطلاب عن طريق زرع فكرة انه من الافضل الاستمتاع ببقايا الطعام في وقت لاحق، بدلا من الافراط في تناول الطعام الآن. (وخبرتي القائمة على عملي في "وادي السيليكون" تخبرني ان بإمكان المطاعم زيادة دخلها عن طريق وضع إعلانات على أكياس بقايا الطعام التي يأخذها الزبون).
وفي شلالات نياجرا، نيويورك التقيت بمجموعة اكبر بما في ذلك العمدة بول دايستر والذي قام في العام الماضي برعاية اول زواج للمثليين في الولاية كما التقيت بكاهن حضر حفل الزواج نفسه وهو يحمل اشارة احتجاج وبالرغم من خلافاتهما حضر الاثنان الاجتماع من اجل مناقشة صحة المجتمع بشكل ودي وبناء.
لكن الكاهن عبر عن بعض الاحباط من كيفية تعامل الشرطة في الاحياء السكنية وبعد ساعتين من كلامه وأثناء قيادتنا للسيارة لزيارة احد المواقع تم اعتراض طريقنا من قبل سيارتين للشرطة في منتصف الشارع وكان الشرطيان يتجاذبان اطراف الحديث، وأنا اشك انهما كانا يتناقشان عن صحتهما أو صحة مجتمعهما.

*الرئيسة التنفيذية لشركة اي ادفنتشر القابضة.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكت.

التعليق