منار الرشواني

العراق النموذج

تم نشره في الاثنين 12 أيار / مايو 2014. 12:05 صباحاً

بكل مآسيه، أو بسببها للدقة، يبدو العراق اليوم أفضل من يلخص الواقع العربي ككل، واتجاهاته المستقبلية في ظل استمرار المعطيات والعقليات السائدة حالياً.
إذ إلى ما قبل سنوات قليلة جداً، كان المطلوب عربيا؛ على مستوى النخب الشعبية تحديداً، عزل عراق ما بعد صدام حسين، باعتباره عراق الاحتلال الأميركي؛ فلا تعاون ولا حتى سفراء في المنطقة الخضراء. بل إن جزءاً من "مقاومة وممانعة" نظام بشار الأسد التي يتم بها اليوم تبرير قتل الشعب السوري، إنما تمثل في تسهيل مرور مقاتلي "القاعدة" خصوصاً إلى ذاك البلد، للقيام بكل أشكال العمليات العسكرية، ضد جميع الأهداف؛ مدنية أم عسكرية، طائفية في ضحاياها أم "وحدوية!"؛ فالغاية "المشروعة" بإفشال المشروع الأميركي، كانت تبرر كل الوسائل غير المشروعة.
حتماً لم تتغير خلفيات وانتماءات، ولا حتى شخوص حكام عراق ما بعد صدام، لكن الغريب، لوهلة فقط، هو التغير الكامل في موقف خصومهم "السابقين" من قوميين ويساريين عرب، رغم عدم تغير شخوص هؤلاء أيضاً. فضمناً إن لم يكن صراحة، أنعم الآن أولئك القوميون واليساريون، في غالبيتهم العظمى، بالشرعية على حكام عراق ما بعد صدام. لماذا؟
طبعاً، يمكن هنا ادعاء عذر الأولويات. فالأولوية التي لا يعلو صوت عليها باتت مكافحة الإرهاب الذي يضرب العراق. لكن هنا أيضاً تبدو المعضلة في أن هوية الإرهابيين لم تتغير أبداً بدورها عما كانت عليه يوم كان القوميون واليساريون يصفونهم جميعاً بـ"المقاومة العراقية"؛ والتي ضمت وتضم البعثيين والإسلاميين، كما "القاعدة" طبعا.
حل هذا التناقض لا يبدو ممكناً إلا عبر حقيقة واحدة، وهي أن المعركة ليست ضد الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل هي ضد الإسلاميين؛ ما يبرر فقط تغيير الموقف جذرياً من حين لحين. وهنا لا يجوز القول أبداً إن عداء الإسلاميين في العالم العربي باعثه الحرص على "ديمقراطية" ما، يكفي دليلاً ممارسات العلمانيين التي فاقت كل تصور في الاستبداد والقتل، وأهم من ذلك تحالفهم مع إيران المغرقة في الحكم الثيوقراطي. باختصار، يقدم الموقف من العراق منذ الاحتلال الأميركي دليلاً نهائياً على أن حرب العلمانيين العرب الأهلية ليست إلا حرباً لأجل السلطة والمناصب، بأي ثمن، حتى لو كان الوطن نفسه. 
وقضية مكافحة الإرهاب في عراق ما بعد صدام حسين، وما بعد الانسحاب الأميركي، تجعل من هذا البلد نموذجاً عربياً آخر. لندع جانباً ما تؤكده التقارير المحايدة المتواترة، بأن الحملة العسكرية غربي العراق خصوصاً، ليست حرباً على الإرهاب، وإنما حرب على العراقيين السُنّة. فرغم ذلك، يظل الثابت المتفق عليه أن الانهيار الأمني بدأ في العراق مع استعادة سياسة الإقصاء والاستئصال للسياسيين السنة العراقيين، غداة الانسحاب الأميركي مباشرة. وبالتالي، فحتى لو صح الحديث عن قوة "داعش" أو سواها الآن، فإن ذلك لا يغير من حقيقة ما هو السبب وما هو النتيجة.
بهاتين الصورتين، يمكن بالنتيجة معرفة كيف تحول "الربيع العربي" المطالب بالحرية والكرامة، إلى "مؤامرة"، كما معرفة المتورطين فيها، وإن ادعوا أنهم يحذرون منها!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الفرق ما بين المقاومة والإرهاب. (ابراهيم القروي)

    الاثنين 12 أيار / مايو 2014.
    من المؤسف والمحزن ان تتناقل كثير من وسائل الاعلام المتصهينة والمستعربة ، وليست العربية ، وكثير من الكتاب موضوع الارهاب ، حتى اصبح المواطن العربي يخلط ولا يستطيع ان يفرق ما بين الارهاب والمقاومة ، ولا يفرق ما بين الاستبداد الذي يخلق المقاومة ، وليس الارهاب ، وكما يحلو للبعض من تحليل هذا المفهوم الخاطئ ، والذي يعكس جهل او تعمد البعض في تحويل كثير من انواع المقاومة او الدفاع او المطالبة عن حق مشروع الى نوع من الارهاب ، وبمفهوم صهيوني استعماري متصهين ومستعرب ... فليس كل ما يحدث في العالم العربي يدخل ضمن باب الارهاب ، وان محاولة البعض الخلط ما بين المقاومة والإرهاب لا تعني سوى انعكاس لحالة من الجهل او التعمد او الغباء... فليس كل ما يحدث في سوريا ولبنان والعراق واليمن على سبيل المثال يدخل ضمن مفهوم الارهاب ، وخاصة من قبل اهل السنة الذين يدافعون عن وجودهم امام محاولات اقصاء قذرة وخبيثة وشرسة لانتزاع حقوقهم الوطنية ، ومحاولة انتزاعهم من اوطانهم ، وذلك من خلال تحويل الاكثرية الى اقلية ، ومحاولة صهرهم في بوتقة الاقليات في اوطانهم.