قانون القومية: الخوف من المس بالديمقراطية مبالغ فيه

تم نشره في الثلاثاء 13 أيار / مايو 2014. 12:00 صباحاً

معاريف

بقلم: آفي ديسكن

 إن قرار رئيس الوزراء العمل على قانون أساس ينص على كون إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي هو قرار ذو مغزى استثنائي. ستكون هذه قمة فعل صهيوني ستكتب بأحرف من ذهب في صفحات التاريخ. ولا سيما في ضوء تأكيد بنيامين نتنياهو المبرر على أن اقرار القانون ليس فيه أي نية للمس بجوهر الديمقراطية في الدولة.
 فان محاولة العمل على قانون مشابه، بمبادرة نواب كثيرين – معظمهم من المعارضة – لم تنجح في الماضي، ولا سيما بسبب الحسابات داخل الاحزاب وبينها في اطار المعارضة. ولا يظهر استعراض هذه الصراعات صورة بناءة على نحو خاص. ولكن نزعا للشك فأني أود أن أشدد على أن تطلع وزيرة العدل لضمان ألا يمس القانون بالديمقراطية الإسرائيلية يبدو في نظري مباركا وجديرا. فاسرائيل هي ديمقراطية فاخرة تعيش في ظروف صعبة من التهديد الدائم على مجرد وجودها.
أعترف دون خجل أن الدموع تفر من عيني حين اصل الى الكلمات التالية في إعلان الاستقلال: "... لهذا اجتمعنا، نحن اعضاء مجلس الشعب، ممثلي الحاضرة العبرية والحركة الصهيونية، في يوم انتهاء الانتداب البريطاني على بلاد اسرائيل، وبحكم حقنا الطبيعي والتاريخي وعلى أساس قرار جمعية الامم المتحدة فاننا نعلن بذلك عن اقامة دولة يهودية في بلاد إسرائيل، هي دولة إسرائيل".
 كما هو معروف، بين السبعة والثلاثين الموقعين على إعلان الاستقلال شارك ليس فقط زعماء الحاضرة "المنظمة" والقيادة الصهيونية، بل وأيضا "الخارجون عن المؤسسة": الاصلاحيون من اليمين، الشيوعيون من اليسار ورجال اغودات اسرائيل.
أساس اهتمام إعلان الاستقلال بيهودية الدولة. فكلمة "ديمقراطية" التي تضمنتها الصيغة السابقة للاعلان شطبت منها. ولكن عظمة روح الاباء المؤسسين أدت الى ادراج جملا حول "تنمية البلاد في صالح كل سكانها"، "مساواة حقوق اجتماعية وسياسية تامة... دون فرق في الدين، العرق والجنس". هكذا ايضا الدعوة "حتى في الهجوم الدموي الذي يشن علينا منذ اشهر – لابناء الشعب العبري سكان دولة إسرائيل الحفاظ على السلام والمشاركة في بناء الدولة على أساس المواطنة الكاملة والمتساوية، وعلى اساس تمثيل مناسب في كل مؤسساتها، المؤقتة والدائمة".
 لقد تغيرت المكانة القانونية لاعلان الاستقلال على مدى السنين. وفي تعديل في 1994 على القانونين الاساس فقط حظيت بشكل غير مباشر بمكانة رسمية بقي معناها غامضا. وعلى أي حال، فان الصلة بالمبادئ التي في إعلان الاستقلال لم تذكر في قرارات تتعلق بيهودية الدولة الا بالتفسير – البكائي أحيانا – لمعنى الحقوق الموعودة، مثلا، في القانون الاساس كرامة الانسان وحريته.
ليس هذا المكان للتصدي لجملة حجج معارضي القانون. فالمناهضون للصهيونية منهم على نحو واضح لا يكذبون على أنفسهم. ولكن الذين يدعون التضارب بين الجوهر القومي للدولة وبين جوهرها الديمقراطي وعلى رأسهم محبي تقرير المصير الفلسطيني، يخطئون الحقيقة. فمعظم الديمقراطيات القديمة هي دول قومية. وهكذا ايضا معظم الديمقراطيات الجديدة التي تأسست في أعقاب فكرة الرئيس الأميركي ولسون، الذي تطلع أولا وقبل كل شيء لتحقيق حق تقرير المصير القومي في الدول التي قامت على خرائب الامبراطوريات المنهارة في الحرب العالمية الاولى. وهكذا ايضا الديمقراطيات الجديدة التي نشأت في عشرات السنين الاخيرة على خرائب الامبراطورية السوفييتية. فالفكر الفلسفي الديمقراطي تقدم هو ايضا من خلال تنفيذ "العقد الاجتماعي" في أطر قومية.
 في كتابه "قاض في مجتمع ديمقراطي" يقول أهرون باراك ان "قيم اسرائيل كدولة يهودية هي ذات مكانة دستورية فوق قانونية. فهي تؤثر على تفسير كل القوانين الاساس وتؤثر بذلك على دستورية كل القوانين. وهي تؤثر على تفسير كل النصوص القانونية، وذلك لانه يجب أن نرى فيها جزء من القيم الاساس لدولة اسرائيل وبذلك أيضا جزء من الغاية العامة القابعة في اساس كل نص قانوني في اسرائيل. وهكذا مثلا فان كل قانون للكنيست وكل مرسوم للحكومة يستهدف تطبيق قيم دولة إسرائيل كدولة يهودية".
لست من مؤيدي باراك ولكن واضح لي بأن ما قيل اعلاه أكثر قطعا مما قيل في كل الصياغات القائمة لـ "قانون الوطن القومي". ففي قلب معظم الصياغات تظهر الجملة الاساس: "دولة اسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي، فيه يتحقق تطلعه لتقرير المصير حسب تراثه الثقافي والتاريخي".
ان المبادئ التي يتضمنها إعلان الاستقلال، في أقوال باراك، وأكثر من ذلك في أقوال أصحاب الفكرة الصهيونية بكل أطيافها، ليست سوى كلمات فارغة طالما لم ينص عليها في قانون أساس. فضلا عن ذلك في ضوء التشكيك في حق وجود الدولة اليهودية من الخارج ومن الداخل، فان من واجب الكنيست أن تنص على الجوهر اليهودي للدولة في قانون أساس. اما القوانين الكثيرة التي تعالج منذ الآن المواضيع القريبة فانها لم تعد تستجيب لهذه الحاجة الملحة.
يجدر بالذكر ان جوهر الديمقراطية لدولة إسرائيل مضمون منذ الآن في القوانين، في القوانين الاساس، وفي قرارات غير قليلة للمحاكم. في هذه تتأكد كل عناصر الديمقراطية: السيادة التي في أيدي المواطنين، وجود انتخابات مناسبة والنص على حريات الفرد. يحتمل أن يكون مناسبا ذكر هذه العناصر ايضا في القانون المقترح من أجل تحقيق اجماع وعظمة النفس المشابهة لتلك التي ميزت أعضاء مجلس الشعب عندما أقروا إعلان الاستقلال.

التعليق