سياقنا الكوني

تم نشره في الخميس 15 أيار / مايو 2014. 12:00 صباحاً

كاليب سكارف*


نيويورك - لطالما عشنا دائماً على كوكب متغير، ولكن العديد من تقلبات اليوم في الحالات المناخية والبيئية تحدث بسرعة استثنائية، وهذا ناجم بشكل مباشر عن سلوكنا. ويشكل إبطاء إيقاع التغير مسار العمل المنطقي الوحيد اللازم إذا أخذنا بعين الاعتبار النتائج الممكنة. ولكننا في حاجة كذلك إلى فحص ردود فعلنا بشكل دقيق أو أننا سنخاطر بتكرار سلوكنا قصير النظر. والمفاجأة هي أن البحث عن الحياة في أماكن أخرى من هذا العالم قد يعطينا منظوراً جديداً بالغ الأهمية.
إن حضارتنا المتقدمة تقنياً -التي تطفح بالأدوات المتميزة وبما يجلب الصداع للرأس أيضاً- تدين بالكثير إلى تاريخ غني يتعلق بالكون والكواكب. ولو نظرنا على سبيل المثال إلى النفط والغاز والفحم، لوجدنا أن هذه المواد تتألف من حزمة معقدة من الكيمياء الكربونية التي تم إنتاجها لأن علم الأحياء وعلم فيزياء الأرض يعملان ضمن تناغما عميق مع التغيرات والتطورات الناشئة في أماكن بعيدة جداً عن عصرنا. كما أن المعادن والعناصر النادرة في الأرض، والتي نستغلها في بناء أدوات مبتكرة وتوسع من مداركنا، هي أيضاً جزء من هذا التناغم. وقد تمكنا من الوصول إليها فقط بفضل سلسلة من الظروف التي تمتد من الأصول الكوكبية وعلم صفائح الأرض وتأثيرات الكويكبات الصغيرة.
لقد ارتبط مسارنا كجنس بشري بهذا النظام الأحيائي والفيزيائي والكيمائي الممتد من أربعة بلايين سنة، والذي قام بشكل معمق بتشكيل وإعادة تشكيل البيئة الكوكبية من البكتيريا وحتى مخططي المدن، ومن الأكسجين في الجو إلى معامل الورق. وبالاضافة إلى جيناتنا، يحمل كل منا جينات عشرات الترليونات من المسافرين الميكروبيين. وهذه الكائنات الحية الصغيرة جداً هي موطن لشيفرات تتعلق بالعمليات الأيضية التي تمت المحافظة عليها عبر العصور، وهي نفس العمليات المسؤولة عن تشكيل العالم، ما يعني أنها مخطط معقول لحياة ناجحة في مكان آخر -حتى وإن اختلفت التفاصيل البيوكيمائية.
إن عملنا اليومي يجعلنا نتجاهل هذه الخلفية الوجودية. إذ إن الصراع من أجل صناعة مستقبلنا ومن أجل درء الكوارث الإنسانية المتعلقة بالحرب والأمراض والمجاعات لا يترك لنا متسعاً من الوقت حتى نفكر بشكل فلسفي فيما يتعلق بمكاننا في هذا الجزء الصغير جداً من السديم الكوني. ولكن العديد من العلماء، بمن فيهم أنا شخصياً، لديهم شعور بأن الكون على وشك القدوم إلينا ليعطينا صفعة مجازية على الوجه.
لقد سعى العلم الحديث، متمثلاً بعلم بيولوجيا الفضاء، خلال العقود القليلة الماضية إلى أن يحدد ما إذا كانت هناك حياة وموت وتطور في أماكن أخرى من الكون، علماً بأن هذا الموضوع كان دائماً موضع تساؤل عند البشر. لكننا كنا نفتقد إلى الأدله –البيانات الخام.
من خلال البحث، اكتشف علماء الفلك مجموعة واسعة من الكواكب التي تدور حول نجوم أخرى. وتقول الأرقام أن 15-20 % من النجوم المشابهة للشمس تحتوي على عوالم تشبه الأرض في حجمها، وتدور حول كيانات نجمية أكبر وعلى مسافات بعيده توحي بأن أسطح تلك الكواكب يمكن أن تكون معتدلة الحرارة. ومع أننا لم نجد أقرب العوالم لنا بعد، لكنه يجب أن يكون -من الناحية الاحصائية- على مسافة 15 سنة ضوئية منا، أي أنه قريب جداً حسب المصطلحات الكونية. وهناك فرصة كبيرة في أن نجد هذا العالم مع أشقائه خلال عقد من الزمان، ومن ثم البحث عن وجود علامات لمحيط حيوي غريب في مكونات الغلاف الجوي أو مناخ تلك العوالم.
أما في النظام الشمسي، فقد اكتشف المسبار كيوريوسيتي التابع لوكالة "ناسا" ما يمكن أن يكون كربوناً حيوياً في طين أحفوري لقاع بحيرة قديمة على سطح المريخ. وقد شوهد يوروبا، وهو القمر المتجمد لكوكب المشتري، وهو يقذف المياه في الفضاء من محيط مخفي يمكن أن يضم ضعف كمية المياه الموجودة في جميع محيطات الأرض. ولعل الصدف تزودنا بحرية الوصول لعالم واسع جداً يمكن أن تكون فيه حياة. ويجب علينا فقط أن نذهب ونتشمم الرذاذ المالح.
عدم العثور على شيء في تلك الأماكن هو شيء مهم أيضاً، لأن البيانات الجديدة لديها قوة توقعية، ما يحصر مجال الكواكب أو الاقمار التي يمكن أن يكون فيها حياة. ولدى الطبيعة البيانات التجريبية المهمة التي نحتاجها حتى نضع الأرض أخيراً ضمن ضمن مجموعة من العوالم التي ظهرت من العصور الجليدية، وهي عوالم انحدرت إلى جحيم غاز الدفيئات، وعوالم جديدة وعوالم قديمة وعوالم قاحلة، وأخرى يمكن أن تكون فيها حياة. وهذا يعني انه سوف يكون لدينا بيانات جديده من اجل توجيه القرارات المتعلقة بادارة الكواكب.
بعبارة أخرى، فإن الانتشار الكوني يمكن أن يساعدنا في حل لغز الأنظمة الكونية المعقدة والتاريخ الكوني الذي نحن جزء منه. وليست هذه تجربة طائشة. إنها، على العكس من ذلك، يمكن أن تكون المفتاح للتغلب على جهلنا العلمي. بإمكاننا ان نخمن العواقب العامة لظاهرة الاحتباس الحراري في العقدين القادمين. ولكن التفاصيل سوف تبقى صعبة التوقع، كما هو الحال بالنسبة للمستقبل البعيد. إن الشبكات البيولوجية تتغير، والموازين الكيمائية تتغير، والأجناس تنقرضن والانظمة البيئية تتفسخ وتنشأ انظمة جديدة، والسياق الكوني سيحتاج لفترة طويلة قبل أن يتمكن من تنظيم ذلك.
بالنسبة للعديد من الناس، فإن فكرة تخصيص الوقت والموارد لمثل هذه المحاولات التي تتعلق بعوالم أخرى هي فكرة يصعب تقبلها. لكننا إذا أردنا استدامة الجنس البشري للمستقبل البعيد، فإننا بحاجه إلى اتخاذ قرارات كبيرة بشكل صحيح. لقد حان الوقت لأن نأخذ النظرة بعيدة المدى بشكل جدي، لأننا جربنا النظرة قصيرة المدى بدون تحقيق أي نجاح.

*مدير قسم البيولوجيا الفلكية في جامعة كولمبيا. كتابه القادم: "عقدة كوبيرنيكوس" سيصدر في أيلول (سبتمبر) 2014.
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت."

التعليق