كيف يتحقق السلام بين أطراف غير متكافئة؟

تم نشره في الخميس 15 أيار / مايو 2014. 12:00 صباحاً
  • طفل فلسطيني يحاول اعتراض دبابة إسرائيلية بحجر - (أرشيفية)

أندرو جيه. باكوفيتش — (ذا بوسطن غلوب) 5/5/2014

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

أفضى انهيار الجهد الذي بذله وزير الخارجية جون كيري لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى الكثير من التساؤلات. وكانت احدى الثيمات المتكررة كما يلي: على ضوء أن الشروط الأساسية للصفقة معروفة لدى الجميع، فلماذا لا تستطيع الأطراف المنخرطة التوقيع والانتهاء من الامر وحسب؟ فبعد كل شيء، تبقى نهاية اللعبة معروفة: دولتان تعيشان جنباً إلى جنب، وانسحاب إسرائيل إلى حدود ما قبل 1967، أكثر أو أقل، وقبول الفلسطينيين بالتعويض بدلاً من "حق العودة" الفعلي، ونوع ما من الترتيب المبدع لاقتسام القدس. دعونا نوقف التشاحن وننتهي من الامر.
المشكلة مع هذا التحليل هو أنه يتعامل ضمنياً مع السلام وكأنه اتفاقية بين نظيرين. وقد يصلح هذا التعريف لوصف العلاقات بين النرويج والسويد، لكنه لا يصف العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين.
في السياسة، عادة ما تكون القوة هي التي تحدد المحصلات، لكن القوة تظل دائماً نسبية. وفيما بين الإسرائيليين والفلسطينيين، يلوح فارق القوة هائلاً جداً، وليس ذلك من قبيل الصدفة. فحتى قبل تأسيس دولتهم، كان الصهاينة عاقدي العزم على تحقيق فائض من القوة. وباستخدام وسائل عادلة وكريهة على حد سواء، نجحت إسرائيل في تحقيق ذلك فعلاً. اليوم، أصبحت تتوافر على جيش تقليدي مسيطر إقليمياً، وأسلحة نووية والسبل لاستخدام هذه الأسلحة، بالإضافة إلى وضعها القوة الكبرى في العالم في جيبها. وعلى العكس من ذلك تماماً، لا يستطيع الفلسطينيون التحدث عن أي ميزة قابلة للمقارنة، لا من قريب ولا من بعيد.
لذلك، وعندما يتعلق الأمر بالقوة النسبية، فان إسرائيل تتمتع بفارق ضخم هو الذي يفسر السبب في أن الحكومة الإسرائيلية لا تتوافر على أي نية للاستسلام. وبالنسبة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لا تعتبر "عملية السلام" وسيلة لتسوية الخلافات من خلال التسويات والأخذ والعطاء، وإنما تعتبر آلية للإبقاء على المزايا الإسرائيلية التي تم تحصيلها بكثير من الجهد باقية إلى الأبد.
قبل عدة أعوام، وفي معرض توضيح رؤيته الخاصة بالسلام، شرح نتنياهو تداعيات هذه المقاربة، فقال: "إننا إذا حصلنا على ضمان بنزع السلاح، فإننا مستعدون للموافقة على اتفاقية سلام حقيقية، دولة فلسطينية منزوعة السلاح تعيش جنباً إلى جنب مع الدولة اليهودية".
ولكم أن تلاحظوا ما لم يقله نتنياهو، "عندما ينزع الفلسطينيون أسلحتهم، فإننا سنحذو حذوهم". وفي أعين معظم الإسرائيليين، فإن القيام بمثل ذلك يشكل ذورة الحماقة. وعلى نحو مشابه، فإن التخلي عن السيطرة على شريط استراتيجي مثل الضفة الغربية، أو على موارد استراتيجية مثل المياه في مقابل ضمانات بأن ما فات سيكون قد مات من الآن وصاعداً، سيصيب العديد من الإسرائيليين بالصدمة بوصفه صفقة مشبوهة.
وهكذا، ومجرداً من جوهره، فإن السلام كما يفهم الإسرائيليون المصطلح، هو اتفاقية بين مستجدٍ وبين واهب. إنه الحالة التي تنشأ عندما يفي الطرف الضعيف بمتطلبات الطرف القوي. وسيتضمن السلام معنى الخضوع. وعلى ضوء قوتها المتفوقة، لماذا يجب على إسرائيل أن تقبل بالحل على ما هو أقل؟
 هل هذا عادل؟ كلا بطبيعة الحال. لكن العدل في العلاقات الدولية يبدو أشبه بالروح الرياضية عند لاعب الهوكي. ربما تومئ بالإيجاب خلال المقابلات التي تعقب المباريات. لكنك تفعل على الجليد كل ما تستطيع فعله لتنال كل ما تستطيع نيله.
بالنظر إليهم انطلاقاً من هذا المنظور، فإن الفلسطينيين عندما يرفضون الإذعان للمطالب الإسرائيلية -محتجين على تمديد المستوطنات، أو رافضين طلباً للاعتراف بهوية إسرائيل اليهودية التي لا تمكن إزالتها- فإنهم إنما يرفضون السلام بإرادتهم. وبالنظر إلى أن الظروف القائمة تفضل إسرائيل بكل وضوح، فإننا ربما نبتلع مع بعض الملح تعبيرات الخيبة الإسرائيلية من أن السلام يجب أن يظل مراوغاً جداً.
تمتلك الولايات المتحدة قدرة محدودة على كسر هذا الجمود. ومع أنها طرف ثالث مهتم، فإنها لا تستطيع فرض السلام ببساطة. وكمسألة عملية، فإن خيارات واشنطن السياسية الظاهرة والمعقولة تقتصر على ثلاثة.
الأول، وهو الأسهل بما لا يقاس، هو إدامة مسرحية "عملية السلام" الهزلية التي لا تنتهي أبداً. ويعني هذا الخيار ضمناً المصادقة على الوضع القائم المؤيد لإسرائيل، بينما يتم التأكيد على عدم قيام دولة فلسطينية في المستقبل المنظور. وعدم حل أي شيء لا يكلف أي شيء، وإنما مجرد ركل العلبة ودحرجتها على الطريق.
الخيار الثاني، وهو الأكثر خطورة بما لا يقاس، يتمثل في إقناع الطرف الأضعف بالخضوع لتوقعات الطرف الأقوى. وربما يولد قيام شبه دولة فلسطينية مصممة وفق الأفضليات الإسرائيلية المعروفة تماماً في المخيلة نوعاً من السلام الفاتر، لكنه أفضل من عدم وجود سلام على الإطلاق.
لكن مثل هذا الإنجاز سيكلف الولايات المتحدة الكثير على الأرجح. وسيعمل أي تلميح إلى أن واشنطن أجبرت الفلسطينيين على الخضوع للإرادة الإسرائيلية، على زيادة مفاقمة النزعة المعادية لأميركا في عموم العالم الإسلامي. ونحن لدينا مسبقاً ما يكفينا من ذلك.
أما الخيار الثالث، وهو الأصعب بما لا يقاس، فهو إزالة المزايا التي اعتاد عليها الطرف الأقوى. وسيسوي خفض فارق القوة ميدان اللعب. وربما يؤدي جعل الوضع القائم أقل قدرة على الدفاع عنه إلى خلق محفزات للالتقاء مع الطرف الآخر في منتصف الطريق بدلاً من إصدار الإملاءات أو التوبيخات.
إن ما يجعل هذا الخيار صعباً جداً هو حقيقة أن الطرف الأقوى لن يتنازل طواعية عن مزاياه. وتماماً كما سينطوي إلزام الفلسطينيين بقبول صيغة "صنع في إسرائيل" لحل الدولتين على فكرة الضغط، كذلك سيفعل إلزام إسرائيل بالتفاوض مع الفلسطينيين كنظراء.
عندما يتعلق الأمر بالضغط، فإن الولايات المتحدة تملك عدة أدوات. إنها تستطيع لجم تدفق المواد العسكرية الصلبة والتكنولوجيا الأميركية لإسرائيل. وهي تستطيع وقف استخدام المعايير المزدوجة فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل. كما تستطيع سحب الغطاء الدبلوماسي عن الممارسات الإسرائيلية غير المتلازمة مع المصالح الأميركية. ولن يضمن أي من هذه التدابير تحقيق النجاح. إنها كلها تنطوي على المخاطرة. لكنها يمكن إذا تم تطبيقها معاً أن تشجع القادة الإسرائيليين على إعادة التفكير في التداعيات الناشئة عن استمرار عدم العمل.
بالرغم من أنها قد لا تكون قادرة على فرض السلام، فإن الولايات المتحدة تستطيع على الأقل تشجيع الطرف الأقوى على أن يريده.
ما هو من بين هذه الخيارات الثلاثة الذي يرجح أن يختاره قادتنا في واشنطن؟ يمكنكم المراهنة على أنهم سيأخذون الطريق الأسهل للخروج.

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:
 Peace between unequal parties

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

abdrahamanalhuseini@

التعليق