السُنّة والشيعة والجسر البعيد

تم نشره في الخميس 15 أيار / مايو 2014. 11:00 مـساءً

علي علاوي، ونسيمة نيغاز*

بغداد - أخيراً، أجريت الانتخابات البرلمانية في العراق، وهي الأولى التي تُجرى منذ رحيل قوات الولايات المتحدة عن البلاد في العام 2011، وسط موجة متصاعدة من العنف الذي يقترب بسرعة من المستويات التي شهدتها البلاد خلال تمرد الأعوام 2005-2007. فهل تتمكن الحكومة الجديدة من استعادة النظام ومعالجة التحديات العديدة التي يواجهها العراق؟
الواقع أن التحديات مروعة ومثبطة للهمم. ويتعين على السلطات أن تسارع إلى حل المسائل الدستورية الجوهرية (ومنها على سبيل المثال، ما إذا كان ينبغي للعراق أن يتحول إلى دولة فيدرالية أو اتحاد كونفدرالي)، وإعادة بناء المجتمع المدني، وإصلاح مؤسسات الدولة، وإعادة بناء الاقتصاد، ووضع حد لإهدار الموارد والفساد.
لكن التحدي الأصعب على الإطلاق ربما يتمثل في رأب الصدع الطائفي بين المواطنين الشيعة والسُنّة في البلاد. وتنعكس مثل هذه الصدوع والانقسامات في بلدان عربية أخرى (مثل سورية ولبنان وبلدان الخليج واليمن)، وبشكل متزايد في العالم الإسلامي الأوسع أيضاً (بما في ذلك باكستان وماليزيا وإندونيسيا). ولكن، هل تمثل الحالة الراهنة شذوذاً تاريخياً، أم أن الطائفتين الكبريين في الإسلام محكوم عليهما بالعداوة المتبادلة الأبدية؟
من المؤكد أن التاريخ شهد فترات تعايشت فيها الطائفتان بسلام. ولكن الأمر المهم اليوم هو أن الشيعة والسُنّة ينظران إلى ماضيهما بشكل مختلف، وأن هذه الذاكرة التاريخية يمكن أن تتعرض للتشويه بل وحتى يمكن اختلاقها -من أجل تأسي انعدام الثقة والكراهية.
كانت الإطاحة بأول أسرة حاكمة على بلاد المسلمين -الدولة الأموية الأشد عداوة للشيعة- في العام 750 على أيدي العباسيين، الذين أرجعوا نسبهم إلى عم النبي محمد، كانت سبباً في رفع الآمال بالتقارب بين السُنّة والشيعة، وإن كان ذلك لفترة وجيزة. فكانت السنوات الخمسمائة من عهد العباسيين الذي أعقب ذلك عامرة بالأمثلة التوضيحية القيمة لأوجه العلاقة بين الطائفتين.
هناك الكثير الذي يمكننا أن نتعلمه بشكل خاص من التركتين المختلفتين اللتين تركهما الخليفة الناصر (1180-1225) والخليفة العباسي الأخير المستعصم بالله (1242-1258). فقد تميز حكم الناصر -الذي نظر إلى الشيعة باعتبارهم جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الإسلامي وسعى إلى معاملة رعاياه على قدم- بانخفاض ملحوظ في حدة التوترات الطائفية. وعلى النقيض من ذلك، كانت المصادمات بين السُنّة والشيعة -بما في ذلك القتل والحرق وغير ذلك من مظاهر العنف- شائعة خلال فترة حكم المستعصم. وتُظهِر هذه الأمثلة أهمية القيادة الصالحة عندما تخضع المجتمعات التي تحمل تصورات مختلفة للحقيقة إلى السلطة السياسية نفسها -وخاصة عندما تسعى هذه المجتمعات إلى الاطمئنان إلى أن بقاءها غير مهدد.
ينبغي لقادة العراق السياسيين الحاليين أن يتعلموا من هذا الماضي، وأن يضمنوا عدم تعريض أي من طوائف البلاد للتهميش أو التمييز، وهي الدروس التي يمكن تطبيقها في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. ففي باكستان على سبيل المثال، هناك أحداث قتل طائفي بشكل شبه يومي؛ وفي ماليزيا، يُنظَر إلى السكان الشيعة الذين يشكلون أقلية ضئيلة باعتبارهم تهديداً وجودياً؛ وتهيمن اللغة التحريضية على الخطاب عن الطوائف المتنافسة في الدوائر الوهابية في المملكة العربية السعودية وخارجها.
الواقع أن السياسة والصراعات على السلطة تفسر الكثير من العنف وعدم الثقة. فالخوف من الهيمنة التي تقودها إيران على سبيل المثال، كان سبباً في تركيز عقول زعماء بلدان الخليج على ولاء السكان الشيعة. وتستخدم الأحزاب السياسية في ماليزيا العداء للشيعة لنشر الخوف، وهو ما يساعدها في اجتذاب الأصوات وتوطيد سلطتها. ومن الواضح أن سورية وحلفاءها الإقليميين عاقدو العزم على حماية توازن القوى الإقليمي الجديد الذي تحول لصالحهم بعد غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة.
لكن الحسابات السياسية من غير الممكن أن تفسر كل شيء. ويقدم سقوط صدّام حسين في العام 2003 مثالاً جيداً على الكيفية التي يمكن بها تفسير الأحداث بشكل مختلف عندما يُنظَر إليها بعدسة الطائفية. فكان تدمير الولايات المتحدة للدولة العراقية سبباً في جلب نظام جديد محفوف بالمخاطر، والذي سعى إلى استدراك سنوات من الهيمنة السُنّية بمحاباة الشيعة. ورغم ذلك، فإن الصدمة الناجمة عن فقدان السُنّة للتمكين والسلطة بشكل مفاجئ كانت سبباً في توليد خطاب مشترك على نطاق واسع في العالم الإسلامي، حيث يُعَد الشيعة مذنبين بالتواطؤ مع الاحتلال الأميركي للبلاد -وهي النظرة التي عززتها الأحداث في سورية.
وفقاً لهذه الفرضية، فإن الشيعة ارتَدّوا ببساطة إلى دورهم "التاريخي" كمخربين وطابور خامس. ألم يتواطأ الشيعة أيضاً -وفقاً لهذه الفرضية- مع المغول لإسقاط بغداد في العام 1258، وهو التواطؤ الذي بلغ ذروته بوفاة آخر الخلفاء العباسيين وتدمير الإمبراطورية العباسية، التي كانت بمثابة "الدولة العالمية" للمسلمين؟
أشار العديد من مؤرخي القرون الوسطى إلى الدور الذي لعبه الوزير الشيعي ابن العلقمي، زاعمين أنه تآمر مع المغول لإسقاط الخلافة. والآن، تلعب قصة ابن العلقمي، التي كانت ذات يوم حِكراً على حفنة من العلماء، دوراً بارزاً في تشكيل النزاعات بين السُنّة والشيعة. واليوم، يُطلَق وصف "العلاقِمة" على الشيعة، رمزاً للخيانة.
الواقع أن وسائل الإعلام الاجتماعية زاخرة بالجدال حول الدور الذي لعبه الشيعة في مساعدة الغزاة من المغول والأميركيين. بل ويزعم كثيرون أن الشيعة العراقيين ينتمون إلى نسل العلقمي، وأن نوري المالكي رئيس وزراء العراق هو تجسيد حديث له. وتعكس هذه التهجمات ذاكرة العراق التاريخية المُستَقطَبة. فرغم الأدلة التاريخية الوافرة التي تثبت العلاقات السلمية بين الطوائف، يساعد العديد من الناس -سواء بسبب الجهل البسيط بالتاريخ أو الحاجة إلى تأكيد تفوق نسخة بعينها من الحقيقة- تكريس روايات الغدر والخيانة التي تديم الكراهية.
لعل الأمر الأكثر أهمية هو أن الموقف الحالي يعكس الافتقار إلى الحكمة والمسؤولية والحد الأدنى من اللياقة من جانب الزعماء السياسيين والدينيين، الذين يفضلون تأجيج الصراع بين الطوائف بدلاً من تثبيطه. ومن المحزن أن التعصب أصبح الآن حالة معممة. فكل طائفة تعرف أقل القليل عن معتقدات وتاريخ الطوائف الأخرى. وحتى هذه المعرفة الضئيلة، طغى عليها الغضب الطائفي وخطابه المسموم.
ما دام السُنّة والشيعة يرفضون التفكير في ماضيهم معاً، فإن من الصعب أن نتنبأ لهم بمستقبل هادئ يعيشونه معاً. وإذا كان الزعماء السياسيون والدينيون غير قادرين -أو غير راغبين- في السعي إلى التوفيق والتسوية، فسوف يؤول الأمر إلى الأفراد والجماعات ومؤسسات المجتمع المدني من ذوي الفكر المتماثل لإعادة بناء الاحترام المتبادل وإيجاد السبل للتعاون. وسوف يتطلب تحقيق هذه الغاية التحلي بالمعرفة، والصبر، وفي المقام الأول: العقول والقلوب المفتوحة.

*علي علاوي، وزير التجارة والدفاع في العراق (2003-2004)، أستاذ بحث في معهد الشرق الأوسط، جامعة سنغافورة الوطنية. كتابه الأحدث هو "فيصل الأول في العراق". نسيمة نيغاز: زميلة بحث لما بعد الدكتوراه، معهد الشرق الأوسط، جامعة سنغافورة الوطنية.
*خاص بـ الغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق