د.أحمد جميل عزم

أساطير "الرواية التاريخية" الفلسطينية

تم نشره في الجمعة 31 كانون الثاني / يناير 2014. 03:00 صباحاً

علّق أحد القراء الأعزاء، على مقال لي مؤخراً بقوله: "أستغرب وصفك حقّنا التاريخي في فلسطين بالرواية التاريخية المضادّة". وفي لقاء أكاديمي، وبنظرة خاطفة أثناء حديثها، وجّهت إليّ باحثة جملتها: "لا أعتقد أن تسمية "الرواية التاريخية" دقيقة"، قاصدة المقال عينه.
في الواقع أنّ مقولة "الرواية التاريخية" تعبّر تعبيراً دقيقاً عمّا أريد. ففي النهاية، وباستثناء قلة من الناس، أنت تروي الأمور كما تفهمها وتراها، وغالباً ما تختار من التاريخ والدين ما يناسب احتياجاتك وتوجهاتك في لحظة ما.
يستوقفني قيام أكثر من مناضل ومقاتل وصف تسجيل سيرهم الذاتية، وكتابتهم على غلافها أنّها "رواية". وربما قادهم إلى ذلك غنى الأحداث، وغرابتها في حياتهم. والمناضلون بصدقهم ورومنسيتهم، في آن، يفضلون أن يوردوا الحدث بأنه رواية؛ أي كما يعتقدون أنّها حصلت، من دون أن يجزموا أنّها حدثت كذلك.
ماذا نقول لو سمّى أحدنا الرواية التاريخية بشأن فلسطين "أسطورة"؟
في كتاب "الأسطورة.. توثيق حضاري"، الصادر عن جمعيّة التجديد الثقافية الاجتماعية في البحرين، أنّ لفظ "أساطير" ورد في القرآن الكريم تسع مرات. وﺃﻥ ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ تعني ﺍﻟسطور ﺃﻭ الأخبار القديمة المدونة؛ المسطورة. وبقراءة الكتاب الذي لم يُذكر مؤلفه للأسف، يمكن أن نجد أنّ كلمة "History"، أي التاريخ، مشتقة من كلمة أسطورة العربية، خاصة أنّ إضافة "هاء" في البداية في بعض اللغات هي بمثابة أل التعريف "هـ ستوريا". ويمكن أن نستنتج بدورنا أن كلمة "story" (قصة)، مشتقة من الكلمة ذاتها، أي أسطورة.
وبحسب الكتاب وتفسيره للآيات القرآنية، فإنّ لفظة الأسطورة تعني أنّ "الحدث التاريخي ليس مصطنعاً أو متخيلاً، إنّما هو وقائع وأحداث حصلت إمّا من صنع الإنسان، أو من صنع الطبيعة أو من صنع السماء". والواقع أنّ لفظة "ليس مصطنعا" أو ليس مختلقاً، ربما تكون دقيقة، ولكن كلمة "متخيل" هنا استخدمت للمعنى نفسه (الوهم أو الاصطناع)، وهذا ليس دقيقا، مع أنّي أزعم أنّ الأسطورة متخيلة فعلا. فالخيال لا يعني وهماً بالضرورة، بل هو يعني كيف نعي الأمور ونفهمها، والأهم كيف نستحضرها وماذا نستحضر منها. وهذا ما ذهب إليه بندكت أندرسون في كتابه "مجتمعات متخيلة"؛ فإنسانان من لونين مختلفين، ولا يعرفان بعضهما أبداً، وبينهما مئات أو آلاف الأميال، يتخيلان أنّ بينهما رابطا إذا كانا مواطنين في دولة واحدة، فهناك خيالهما (فكرتهما) عن الدولة والأمة والحدود.  
يقول ياسر سليمان في كتابه "اللغة العربية والهوية القومية"، بأنّ الهوية القومية هي "بناء بالمعنيين الفكري والتاريخي. تستخرج وتزيّن من خلال التاريخ. أو بشكل أدق من خلال تفسيرات التاريخ، وانخراط النخب في صياغة أسسها الفكرية، وفي الدعوة لها شعبيا كأساس لتحرك جماهيري سياسي". ويقول إنّها "جمع فتات ورقاع"؛ أي أنّنا نجمع ونختار قطعا من التاريخ لنشكل روايتنا. أي أنه لا يوجد خيال، بالمعنى الشائع للوهم، بقدر ما توجد إعادة إنتاج وتجميع، وتركيز على قضايا أو أساطير أو معتقدات وأحداث من الماضي والحاضر؛ قد تتم إعادة تقديمها أو إعادة تفسيرها، بما قد يتضمن بعض "الإضافات"، أو "الانتقائية"، لخلق هوية أو قومية معينة، ولتبرير حركة سياسية معينة، وحشد المؤيدين لها.
عندما يتم تسييس الرواية التاريخية، يصبح معناها: ما ننتقيه من التاريخ لروايته والتركيز عليه، ليوصلنا إلى نتيجة معينة، وهي التفسيرات والإيحاءات والإضافات. وهي أيضاً مع ما نخفيه ونهمّشه؛ هل نتحدث عن تعايش المسلمين واليهود في الأندلس، أم قتالهم في المدينة المنورة؟ هل نتحدث عن مسلمين يعتصمون بحبل الله جميعاً، أم عن كربلاء والخوارج؟ وتاريخ فلسطين ربما يمكن أن نقدم له روايات قومية عربية، ودينية إسلامية، وفلسطينية وطنية كنعانية، وروايات سياسية، وأخرى دينية، وأخرى رومنسية... إلخ.
فالرد على رواية صهيونية مثلا، قد يكون برواية ترفض التقسيم على أساس الدين، وترفض فكرة "الدولة اليهودية"، وتقول: كان هناك يهودٌ في فلسطين، ولكنهم كانوا فلسطينيين، والدين لا يجسد حقاً في أرض ودولة ووطن. وهناك رواية تقول هذه أرض إسلامية، وتبني على ذلك استنتاجات تشابه وتناقض الاستنتاجات الصهيونية.

ahmad.azem@alghad.jo

ajazem@

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الجدال والمراوغه (خلدا الاردن)

    الجمعة 31 كانون الثاني / يناير 2014.
    هل يكفي الجدال التاريخي والاحقيه المطلقه لتحرير الاوطان اظن ان الموضوع اكبر بكثير فلسطين واحتلالها لم يمر عليه اكثر من عده عقود وتحريرها يحتاج لاكثر من اثبات الروايه التاريخيه التضحيه والنضال وتغيير موازين القوى وجعل الاحتلال مكلفا للمحتل هي الروايه الحقيقيه وشكرا .
  • »معاهدة التفسيم (هاني سعيد)

    الجمعة 31 كانون الثاني / يناير 2014.
    نعم ان الكاتب على حق ان التقسيم لم يكن على اساس ديني وهذا مستمسك نستطيع ان نجادل به لو اردنا ان نرد على سخافات اسرائيل في التضليل والمراوغة ، لأن هذه ارض اسلامية وتدحض كل الاستنتاجات الصهيونية المضللة للرأي العام العالمي