د.أحمد جميل عزم

البترول الفلسطيني والمفاوضات

تم نشره في الثلاثاء 28 كانون الثاني / يناير 2014. 03:00 صباحاً

من الثابت أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ناقش في زياراته الأخيرة إلى روسيا اتفاقية للطاقة، بقيمة تصل إلى مليار دولار، تتعلق بمشروعين: الأول، كبير خاص باستغلال الغاز في سواحل بحر قطاع غزة. والثاني، صغير يتعلق باكتشاف الطاقة في موقع قرب
رام الله. ولكن غزة تحت سيطرة "حماس"، والضفة الغربية تحت الاحتلال، فما معنى "التلويح" بهذا الاتفاق؟
الراجح أنّ هذه خطوة دبلوماسية. وهي جزء من التكتيكات التفاوضية، أكثر منها خطوة جدية. ولكن حتى إذا ثبت أنّ مثل هذه الخطوة جزء من التكتيك التفاوضي، فإنّ هناك أكثر من معنى ونتيجة محتملين لمثل هذا التكتيك.
بداية، قد يعني طريقة للتلويح بخيارات التدويل للقضية الفلسطينية التي تطرحها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بديلا في حال تعطل المفاوضات. والذهاب إلى روسيا تحديداً، مرتبط بعدد من الأسباب؛ أولها، أنّ روسيا تقاربت مؤخرا مع الإسرائيليين كثيراً. وهذه طريقة للقول إنّ الفلسطينيين قد يكون لديهم ما يقدمونه، وتذكيرا لموسكو بأن الترتيبات الإسرائيلية-القبرصية، وربما التركية واللبنانية، لاستغلال الغاز المكتشف حديثاً في سواحلها على البحر الأبيض المتوسط، تمنح حصة لشركات عالمية أميركية، وبريطانية، وإيطالية، وحتى كورية جنوبية، ولكن ليس روسية. لذلك، فإنّ الحديث عن الصفقة قد يعني مصلحة مشتركة.
ففلسطين قد تطالب بحصتها ودورها في صياغة قرارات الغاز، وقد تسعى إلى التصرف كدولة مستقلة بالفعل عالميا، في نوع من محاولة فرض أمر واقع سياسي، مقابل الأمر الواقع المادي الاحتلالي الإسرائيلي. وستحظى بفضل مثل فكرة هذه الصفقة، بدعم دولة صاعدة مهمة مثل روسيا، أثناء قيام فلسطين بدور الدولة المستقلة المقبول دوليا أن تبرم اتفاقيات دولية.
إلى ذلك، فإنّ روسيا نجحت مؤخرا في انتزاع مكاسب مهمة لحلفائها وشركائها التجاريين في سورية وإيران. فموسكو هي التي زودت الإيرانيين بكثير من مقومات برنامجهم النووي، وفقط قبل أسبوعين أبرمت اتفاقيات نفط كبيرة مع طهران، رغم أنّ قواعد الحصار على إيران تمنع ذلك. وبالتالي، فإنه في الوقت الذي يريد فيه الفلسطينيون اتفاقية، أو مؤتمر جنيف الخاص بهم، على غرار اتفاقية جنيف مع إيران مؤخرا بشأن مفاعلها النووي، أو مؤتمر جنيف الثاني بشأن سورية، وبالتالي الحديث عن تقوية الأصوات الدولية الداعية إلى صيغة جديدة للمفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية تنهي احتكار الطرف الأميركي لرعاية وتوجيه هذه العملية، يأتي الحديث عن إدخال روسيا للحلبة، علّها تكرر نجاحاتها في سورية وإيران.
قد يكون الحديث عن هذه الصفقة قد انتهى عند هذا الحد، فنكون أمام قنبلة دخان تفاوضية، ونوع من التلويح بخيارات فلسطينية أخرى غير المفاوضات المباشرة، وبأن هناك طرقا لإرباك المشهد الإسرائيلي وحتى الأميركي، وأن تدويل القضية الفلسطينية لا يتوقف على الانضمام للمنظمات والاتفاقيات الدولية.
وقد يتحول الحديث إلى جزء من خيارات "السلام الاقتصادي"، أو بكلمات أدق إلى مشروعات وزير الخارجية الأميركي جون كيري الموعودة، لجلب مستثمرين، والبدء بمشروعات اقتصادية، واستثمارات للفلسطينيين، من دون ربط هذا بالضرورة بزوال الاحتلال فعلا؛ وكذلك إلى جزء من جهود القيادات الفلسطينية لجلب مستثمرين، وما قد يسمى بناء مقومات دولية، حتى لو كان هذا ضمن توافقات ومساومات مع الاحتلال، وبالتالي تحسين الموقع التفاوضي الاقتصادي الفلسطيني (ليس بالضرورة السياسي).
بهذا المعنى، نحن أمام خطوة قد لا تكون ذات مغزى عملي كبير، بل دبلوماسي سياسي. وبقدر ما تعني هذه الخطوة توجيه رسالة بشأن مستقبل المفاوضات السياسية، بقدر ما يمكن أن تكون جزءا من مفاوضات التعايش مع توقف المفاوضات، أو التوازي معها. فالذي يذهب لعقد اتفاقية طاقة وهو تحت الاحتلال، إمّا أنّه، أولا، يتوقع زوال الاحتلال قريبا وهذا مستبعد؛ أو هو، ثانيا، يخلط الأوراق التفاوضية، ويأتي بلاعب دولي جديد للعبة، وهذا ممكن؛ أو قد تكون مثل هذه الخطوة، ثالثا، جزءا من مفاوضات تتعلق بالمشاريع والمكتسبات الحياتية والاقتصادية، والتي لا تعني بالضرورة نهاية الاحتلال، بل هي جزء من رزم اقتصادية تتزامن مع التفاوض على إنهاء الاحتلال، أو تتضافر مع جهود تجري تحت يافطة بناء مقومات الدولة والمضي نحو الاستقلال وبناء الإجماع الدولي المؤيد لهذا الاستقلال.

ahmad.azem@alghad.jo

ajazem@

التعليق