د.أحمد جميل عزم

خطاب عباس في "اللحظة الحرجة"

تم نشره في الأربعاء 15 كانون الثاني / يناير 2014. 03:00 صباحاً

يُخبر لسان حال الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أنّ المفاوضات وصلت نقطة حرجة، ربما تتطلب بدء التجهيز لفشلها. وقال وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، لوزراء الخارجية العرب في لقائه معهم الأحد الماضي، إنّ المفاوضات وصلت نقطة "حرجة".
في لقائه وفودا من مدينة القدس، مال خطاب محمود عباس نحو التصعيد، وهو نادراً ما يفعل هذا. فهو، أولا، كرر رفضاً واضحاً لفكرة الاعتراف بأن "إسرائيل دولة يهودية". وهو يدرك البعد التفاوضي في هذه المسألة التي ابتدعها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بقوله: "يقولون (أي الإسرائيليون) إذا لم تعترفوا بيهودية إسرائيل فلن يكون هناك حل. ونحن نقول لن نعترف ولن نقبل. ولدينا حجج وأسباب كثيرة لرفض هذا الحديث الذي لم نسمعه إلا منذ سنتين". كما رفض عباس الربط بين إطلاق الأسرى والاستيطان، بقوله إنّه إذا أصر الإسرائيليون على الربط "فنحن في حِلّ مما التزمنا. إذا فسخ أحد الأطراف العقد فمن حق الطرف الآخر فسخه". ورفض ما سمعه في الإعلام عن ممانعة نتنياهو لأي ذكر للقدس في أي اتفاق، بل ورفض عمليا ما قال أعضاء في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية إنّه خطة جون كيري لحل معضلة القدس؛ بجعل العاصمة في ضواحي المدينة، في أبو ديس مثلا، فقال: "القدس ليست أبو ديس، لكن أبو ديس جزء من القدس. وكلامنا مفهوم. لأننا نسمع كلاما كثيرا حول العاصمة هنا وهناك. العاصمة في القدس وما حولها، العاصمة في القدس التي احتلت العام 1967". واستخدم نبرة تذكر بعبارات ياسر عرفات عندما قال: "نحن لا نغوى الموت، لكن مرحبا بالشهادة إن حصلت. على القدس رايحين أبطال وأحرار بالملايين".
وحتى في موضوع اللاجئين، ازال عباس ضمنيا أثر تصريحه الشهير عن مسألة حق عودته إلى صفد، بقوله: "لا تملك السلطة ولا الدولة ولا المنظمة ولا أبو مازن، ولا القادة يحق لهم، أن يحرموا شخصا من حقه في العودة. قد تكون هنالك خيارات، وعلى اللاجئ أن يختار؛ هنالك تعويض وتفاصيل أخرى، لكن حتى الأب لا يستطيع أن يتنازل عن حق أولاده. يُسأل الشخص، لأن هذا الموضوع حق شخصي".
ما إن أنهى عباس لقاءه مع الوفد الشعبي، حتى أقرت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، قرارا يبدو سياسيا أكثر منه عمليا، المقصود به توجيه رسالة. إذ قالت "اللجنة" بعد اجتماعها أول من أمس الاثنين، إنها "طلبت من لجنتها السياسية إعداد خطة عملية بشكل فوري لتنفيذ موجبات قرار الأمم المتحدة الخاص بعضوية دولة فلسطين، بما فيها الانضمام للاتفاقيات والمنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة".
ربما يُفهم من تصريحات عبّاس هذه أنّها محاولة لإيصال رسالة للأميركيين والإسرائيليين، بعدم توقع المزيد من التنازلات، وأنّه بات يهيئ الأوضاع لفشل المفاوضات. وهي رسائل حتى في قضايا تفصيلية، مثل الدفعة الرابعة من الأسرى التي يُخشى أن تتلاعب بها إسرائيل، فتقلص عدد المفرج عنهم من أسرى اتفاقية ما قبل "أوسلو". وهو يلجأ إلى ثلاثة خيارات: عودة الحراك مع الشارع؛ والعودة لفكرة التدويل للصراع؛ ومحاولة بلورة موقف عربي يؤكد رفض قضايا مثل الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، ومثل تنازل أكبر في القدس.
ومحاولة إيصال هذه الرسائل تعني بالفعل أنّ المفاوضات وصلت إلى التفاصيل في هذه النقاط. وربما يقرأ عبّاس بعض التحولات عند الإسرائيليين؛ من مثل انقلاب وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، الذي انتقل إلى تأييد "مبادرة" كيري للتسوية. والمتتبع للسياسة الإسرائيلية يستطيع أن يعرف أنّ ليبرمان وحزبه "إسرائيل بيتنا"، وقوى سياسية أخرى مثل حركة "شاس"، لا تملك مواقف مبدئية ضد التسوية، ويمكن أن تغير مواقفها بتغير مصالحها وما هو معروض عليها من مكاسب.
مواقف عبّاس هذه جميعا ليست جديدة حقا، وهي ذاتها المواقف في المفاوضات السابقة. وردود الفعل الأميركية والإسرائيلية عليها ستُظهر إن كانت المفاوضات تتجه إلى نهايتها بالفشل، أم إلى التجديد والتمديد. ولكن التصريحات تُظهر أنّ اتفاقية سلام ما تزال غير متبلورة فعلا، وأمامها عقبات عسيرة.

ahmad.azem@alghad.jo

ajazem@

التعليق