د.باسم الطويسي

البحيرة التاريخية الراكدة

تم نشره في الاثنين 30 كانون الأول / ديسمبر 2013. 03:00 صباحاً

كان من المتأمل أن تفجر رياح الثورات والتحولات العربية، ثورة أخرى في السياسة، تبدأ بإعادة تعريف مواقف الأطراف العربية من الجذور البعيدة للاستبداد؛ أي تحريك الراكد في إدارة الصراع الداخلي، وإعادة تعريف السياسة فيما يتعلق بالبحيرة الراكدة الأخرى بشأن الصراع الأساسي في الشرق الأوسط.
تدخل الثورات والتحولات العربية عامها الثالث. ويبدو أن رسالة الشعوب العربية لم تصل، وما تزال تُنقل مشوهة ومشوشة؛ وكأن لا شيء يتغير منذ أكثر من قرن! فما يزال هذا الإقليم يقود التغيير في النظم العالمية، من دون أن يصيبه التغيير؛ وما يزال هذا الإقليم محطة تصاغ حولها التفاهمات الكبرى، منذ "سايكس-بيكو" إلى الاتفاق الروسي-الأميركي الأخير حول سورية، إنما من دون أن تمس هذه التفاهمات قضايا الإقليم ذاته المصيرية.
اليوم، يبدو الشرق الأوسط مغلقا وخاليا من السياسة، بينما يعج بصفقات الأسلحة، والصفقات الأخرى التي يوجد فيها كل شيء إلا السياسة. فقد كان من المبرر أن يقبل الرأي العام العربي تراجع مكانة القضية الفلسطينية في أولويات السياسة الدولية خلال العام الأول للثورات؛ وكان من المبرر إلى حد ما أن تغيب مركزية الصراع في خطاب الثورات. لكن ما يستدعي طرح الأسئلة الكبيرة هو كيف تحول تاريخ الصراع من التحريك إلى الجمود، ومن الجمود إلى الموت.
تتبدل السياسة في الشرق الأوسط، لكنها لا تتغير. إلا أن المفاجأة هي أن تموت بصمت كما يحدث هذه الأيام. إذ يتبدل اللاعبون ومواقعهم، لكن الملعب وحساب الأهداف لا يتغير، كما يبدو هذا واضحا بعد أن تم تفريغ لحظة الديمقراطيين ووعود الرئيس الأميركي من مضمونها خلال الأشهر الستة الاولى من عهد أوباما. وهو الأمر الذي يتأكد اليوم بصورة مدهشة ونحن نقترب من النصف الثاني من الولاية الثانية.
هناك سيناريو تلجأ إليه القوى العظمى وتطبقه على الأقاليم التي تشكل عادة بؤر صراعات، ومصدر قوة ونفوذ للاعبين الكبار في النظام الدولي في لحظات التفاهم الدولي وتقاسم الأدوار. وهو أحد السيناريوهات المرشحة للمنطقة العربية؛ أي فرض العزلة الاستراتيجية جنوب وشرق المتوسط، وتقاسم النفوذ وتوزيع الأدوار، وإلغاء هامش المناورة الذاتية، وتحديداً فيما يتعلق بالتفاعلات الخارجية للإقليم، وإعادة صياغة التهدئة السياسية والعسكرية على الجبهات الشرقية والغربية بالقوة.
هناك وصف تقليدي طالما وُسمت به المجتمعات العربية من قبل الكتابات الغربية والصهيونية، وهو أنها مجتمعات رملية لا تبني تراكما حقيقيا، بل ذرات فسيفسائية إن اجتمعت فهي كثبان من الرمال المتحركة التي لا تبني ولا تستقر. هذا الوصف الشيق والمؤلم أكثر ما ينطبق اليوم على مسار التسوية والرؤية الإسرائيلية التي تحركه؛ كثبان من السياسات والمبادرات والتسريبات والتوقعات التي لا تقوى على التراكم ولا البناء ولا التقدم.
السياسة في الشرق الأوسط بالفعل كثبان من الرمال المتحركة، لا عنوان لها إلا الحرب المقبلة. والجديد يبدو في آلية المناورة مع الزمن وشراء الوقت، والتي طورها الإسرائيليون طوال السنوات الماضية. ما يتطلب أحيانا تحريك الرمال على بعض الجبهات، ليشكل بذلك نهاية مرحلة في تاريخ التسوية، في انتظار مرحلة أخرى سوف تختلف فيها حتما المقاسات ووحدات التحليل، وسقف المطالب إذا ما تبقى مطالب.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »البحيره الراكده (مقهور)

    الثلاثاء 31 كانون الأول / ديسمبر 2013.
    من شروط الدول الغربيه انه من اراد الكرسي من حكام العرب ان يفعل ما تريده دول الغرب والصيوامريكيه واذا ما تساقطتة اوراق الحاكم العربي جعلوا شعبها ما يسمى بحرية التعبير عن الرأي وعدم اقصاء الشعب للخروج من الكبت النفسي والاقتصادي فهي تصيب عصفورين بحجر واحد الاول تمزيق الوحده العربيه والثانيه تثقل كاهل الدوله بأعباء ماليه من شاء الاسلحه لمحاربة من ( اسرائيل ) اكيد لا بل لمحاربة شعبها ما وان استيقظ من سباته حتى يخرج عليهم اتباع وانصار حاكمهم ليضرب بيد ومن حديد على من يقف بوجه الحاكم دكتورنا الغالي امر فلسطين كل الشعوب العربيه نائمه حتى يأتي امر الله الشعوب العربيه مقهور من الاسبتداد ومحاربتهم في معيشتهم فغياب الثورات العربيه عن قظية فلسطين يعود الى انه كانت الشعوب تحتاج الى الكرامه والعيش الكريم ولنت مثال على ذالك مصر ارض الكنانه ما وان وصل اليها رجل ينتمي الى حزب اسلامي ترامة عليه ذأب العلمانيه واسود العرب وكما نرا ان الشعوب العربيه متفككه من الداخل والخارج لك الله يا اقصانا الشريف ليبعث الله ماليوحد كلمه المسلمين
  • »التاريخ يعيد نفسه (حسين الجازي)

    الثلاثاء 31 كانون الأول / ديسمبر 2013.
    ان بداية انهيار الرأسماليه العالميه لا بد لها من معالجه تتركز على الجانب الاقتصادي ولهذا فالغرب عندما بدأت الرأسماليه ونظرا للاهميه الاقتصاديه للعالم العربي اتانا باتفاقية سايكس بيكو لكي يستولي على خيرات الامه كما نراها حاليا ولكنه الان وبحسب تحليلي الشخصي انه يريد سايكس بيكو جديده مبنيه على دويلات تقوم على الطائفيه والعشائريه لكي يستمر النظام الرأسمالي فها هي العراق 3 دول وليبيا على الطريق ومصر ةوسوريا ولكننا وللاسف امة لا تقرأ فعنوان الديمقراطيه المزيف الذين يسوقونه علينا لتبرير مخططاتهم ما هو الا قميص عثمان ونحن لا زلنا نقتل بعض وهل التغييرات التي حصلت جابت النا ما هو خير للامه فنسمع الان جيش النظام وجيش التحرير ونسمع كتائب القائد وغيره من التسميات الواهيه وكلها تبريرات للقتل مع ان الديمقراطيه تعني الرأي عن طريق الاغلبيه وليس بقوة السلاح
  • »وتلك الايام نداولها بين الناس، والمؤمن لا مكان لليأس في نفسه؟ (د. ابراهيم الحسـناوي)

    الاثنين 30 كانون الأول / ديسمبر 2013.
    يقول تعالى: (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون.) هذه الآية الكريمة تطرح على كل ذي عقل وضمير أن يسأل السؤال التالي: من الذي خلق وكرس المؤامرات والمهازل والمآسي التي نراها اليوم تعصف بديار العرب والمسلمين – أو "بالبحيرة التاريخية الراكدة" كما يسميها الكاتب الفاضل؟ الجواب واضح في الآية الكريمة. ورغم ذلك ، فاليأس يفترض ألا يدخل لنفوس المؤمنين الصادقين المؤمنين بربهم وبحقهم في نيل الحرية والعدالة والكرامة والقوة وبناء الدول المنيعة القوية المزدهرة. والبداية الصحيحة للتفاؤل والخلاص من هذه الاوضاع المأساوية هو بتغيير ما في الأنفس، استهداء بقوله تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". وقوله تعالى "وتلك الأيام نداولها بين الناس". وكمثال فإن دول اوروبا عاشت قبل 150 سنة حروبا عديدة لعشرات السنوات قتل فيها الملايين من شعوبها، ولكن شعوبها غيرت في النهاية ما بأنفسها من أحقاد وعداوات، وأصبحت دولا متحالفة وقوية ولها عملة واحدة وهي اليورو. ألا يستطيع العرب والمسلمين أن يعيدوا "لبحيرتهم التاريخية الراكدة" حيويتها وصفاءها وتنقية مياهها من الجراثيم والطفيليات الراكدة الآن في قعرها!!؟؟