هاني البدري

منخفض!

تم نشره في الخميس 12 كانون الأول / ديسمبر 2013. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الخميس 12 كانون الأول / ديسمبر 2013. 04:41 مـساءً

ما من مجلس أو جماعة إلا وفيها مواطن يلبس عباءة مُتنبئ جوي، يُفتي في الظروف الجوية السائدة ويتنبأ بالقادم، يعرف مصدر الموجة الباردة ومن أي بلاد تتشكل، ويحسب كثافتها وعمقها ويعرف على أي ارتفاع ستتساقط الثلوج في المملكة.
يُسارع إلى استعراض معرفته في شرح أبعاد الموجة (إليكسا) وكيف ستؤثر على الشرق الأوسط كما فعلت كاترينا وشقيقاتها في أميركا.
كلنا بانتظار المنخفض الذي تداولنا الحديث عنه وعن الاستعدادات لمواجهته تمويناً ووقوداً، حين أغلقنا أبوب المحال التجارية ومحطات الوقود ازدحاماً وتدافعاً، وأعلنا عن باقة استعدادات في الشوارع، وخرج علينا مسؤولونا وأعلنوا قيام عشرات غرف العمليات في الأمانة والبلديات. سيصل ليجدنا على قلب مواطن واحد، بعدتنا وعتادنا في المرصاد.
أعددنا لليوم المشهود من المنخفض؛ اسطوانات الغاز وأكياس التموين واللحمة والبوشار، فحتماً ستكون له حاجة قصوى آتية، و(الكستنة) والفاكهة والمعلبات والقناطير المقنطرة من الخبز والقرشلة والألبان ومشتقاته، أجواء مسبوقة، لكنها غير اعتيادية من الاستعداد النفسي والبدني والترفيهي للمنخفض.
يخرج علينا مسؤولون ليتحدثوا عن انهيار بعض الجدر والأسقف وانجراف بعض المنازل المنخفض أحدها الأغلب تلك الواقعة في الدوار السابع (تراث)، ثم يتداول المعنيون البيانات ويسيطر تعبير (الحيطة والحذر) على الأجواء، فيما بعض اللقطات التي استطاعت إحدى كاميرات التلفزيون أن تلتقطها عبر النافذة للجوار تظهر بعضاً من المواطنين يترامون كرات الثلج بفرح.
على امتداد فترة الصباح، الأشغال والأمانة والدفاع المدني والبلديات وأخبار الحوادث والانجمادات، والطرق المغلقة التي يتم العمل على فتحها مع قوائم من النصائح مع أسماء الطرق المغلقة والأخرى السالكة بصعوبة.
ساعات النهار تمر بملل شديد رغم كل مغريات التلفزيون وبيانات المسؤولين، نحاول إخراج سيارتنا لنكون أول من فتح طريق الحارة ليتبعنا الجميع، نترامى بدورنا كرات الثلج ونتقاذفها بحماس مترافقة مع شد أعصاب وبعض الشتائم.
ننتظر نهاية اليوم الذي سمعنا فيه عبارة الضيف الأبيض مئات المرات حتى اسودت الدنيا في عيوننا ونحن (محشورين) بين أربعة جدران، نُقَلب الريموت على كل الفضائيات. نأكل كما لم نفعل من قبل، ومن كل ما أتت عليه النفس، نُخفي ابتسامة خبيثة كلما تذكرنا أننا أكلنا على الحكومة يوم عطلة من العمل والدراسة لم يكن ضمن قائمة العطلات والأعياد.
بعد عشرات (المشاريب) الساخنة نجلس لمشاهدة النشرة، فنتأكد أن الطرق أُغلقت وفاضت السيول وفشل نظام التصريف وغرقت الدنيا وسقط ضحايا وانهارت جدران وأسقف كما انهارت غرف العمليات التي وعدنا بها صباحاً ولم نرَ تلك الاستعدادات التي سمعنا عنها اللهم إلا بتدخل من الدفاع المدني.
ننزل صباحا فنرى أن السيول تُغرق الدنيا، وأن الزائر الأبيض باتت حوافه سوداء في الشوارع، نصل إلى أعمالنا بصعوبة لنعود وننظر في عمق وأثر وأصل المنخفض.

hani.albadri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحمد لله على نعمه ولكن! (د.خليل عكور-السعودية)

    الخميس 12 كانون الأول / ديسمبر 2013.
    السلام عليكم وبعد
    المُتابع للتليفزيون الاردني -وللاسف نتابعه كثيرا بحكم الغربة- يُصاب بموجة من المشاعر المتناقضة والريبة الى درجة الضياع , فالاخبار مليئة بتضليل المسؤوليين الذين مذ خلقنا الله وهم في وجوهنا !,ومذيعات ومذيعين ( اكثرهم) لا يملكون من متطلبات الاعلام
    الا ...؟! وكلام له اول ولا اخر له! عن الانجازات والمشاريع لا يلمس المواطن منها الا الذي يمتد الى جيبه المخزوق اصلا الى درجة تجعلك تتلمس نفسك وتحاول جاهدا اقناع نفسك انك وللاسف بكامل وعيك وان ما تسمعه هو عن الاردن وليس عن دولة على سطح الكواكب !
    هذا الخليط العجيب من الاخبار يجعلك تتسائل الى اين يسير البلد ؟ واين الحديث الكثير عن الاصلاح! الم يحن الوقت لُيدرك مسؤولينا ان الشعب قد كبُر وانه ترك مرحلة الحضانة وانه في طريقه للتخرج من جامعة الدنيا ؟ يظهر انهم ما زالوا يعملون بنفس الختم وان الصبة الخضراء لم تنشف بعد ! ولا زال الشعب الاردني يملك الكثير من طولة البال -نعمة من الله- ليتحمل الكثير والله يجيرنا من الاعظم!