ياسر أبو هلالة

أعيدوا خدمة العلم

تم نشره في الجمعة 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2013. 03:00 صباحاً

لا طائل من الحديث عن إصلاح التعليم العالي. كل ما يمكن هو تحسين شروط الحياة في المضارب العشائرية المسماة جامعات! فرئاسة الجامعة، والمواقع الأكاديمية، كثيرا ما تخضع لحسابات عشائرية ومناطقية ضيقة، والطلبة لا يدخلون تخصصات ويتنافسون في التحصيل العلمي، ولا ينخرطون في اللعبة السياسية؛ إنهم فرسان يخوضون الغزوات، ويطلبون الثارات.
هل من جديد تضيفه غزوة جامعة البلقاء الأخيرة، أو آل البيت قبلها؛ فيما لم تجف الدماء بعد من جامعة الحسين في معان؟ هل هي الغزوة الأخيرة؟ أيا كان الحكم الصادر عن محكمة أمن الدولة بحق المتورطين في المشاجرة الأخيرة، فإنه لن يردع من يطلب الموت دون ثأره. هذه مأساة مجتمع ودولة تحتاج حلولا عميقة وبعيدة المدى، ولا أحد لديه الاستعداد لإجراء عمليات جراحية معقدة. الكل يميل إلى المسكنات، ولو فتك المرض بالمريض.
إصلاح التعليم العالي، وتخريج جيل من الباحثين والعلماء، مهمة صعبة لا يريد أحد دفع كلفتها. لكن يوجد حل مقدور عليه، يُسهم في ضبط المجتمع، مع الحفاظ على رداءة التعليم العالي. إذ من الواضح أن المجتمع حريص على الرداءة؛ يريد إدخال أكبر عدد من الطلبة إلى الجامعات، وتعيين أكبر عدد من العاملين، وبناء أكبر عدد من الكليات والجامعات، وليست النوعية مهمة، ولا منسوب الرداءة. المهم أن الشباب يجدون جامعة تلمّهم بعد الثانوية العامة. وهذه الثانوية نفسها تحولت إلى مهزلة يكثر فيها الغش العلني.
تواطأت مصالح الدولة مع مصالح المجتمع في تدمير مؤسسات التعليم العالي. لكن اليوم، يشعر كلاهما بالخطر الداهم في ظل العنف والفوضى. هنا أقترح حلا عمليا، وهو العودة إلى خدمة العلم. فإذا كانت قطر أغنى بلد في العالم، والتي لم يسبق أن فرضت الخدمة العسكرية الإجبارية في تاريخها، تلجأ إليها أداة لرفع كفاءة الشباب وبناء شخصيتهم، فكيف بالأردن الذي ظلت خدمة العلم مطبقة فيه لعقود؟
طُرحت في أكثر من مرة فكرة العودة إلى الخدمة الإجبارية، لكنها كانت تُواجه باعتراضات اقتصادية بالدرجة الأولى. وهذا صحيح، خصوصا أن الإنفاق العسكري لدينا من أعلى المستويات في العالم. وليس المطلوب خدمة لعامين ولا لنصف عام؛ بل ما يحتاجه الشباب أقرب إلى دورة كشافة؛ ثلاثة أشهر يخضعون خلالها لقيم الانضباط والسمع والطاعة واحترام القانون، مع تثقيف بالقيم الوطنية.
خلال هذه الأشهر الثلاثة، يُفترض أن يتحقق أعلى معدل من الصهر الاجتماعي، بحيث يذهب ابن معان إلى أقصى الشمال، وابن المفرق إلى أقصى الجنوب، وابن عبدون والشميساني إلى الزرقاء.. وهكذا. لا بد من تحقيق قدر من الصهر الاجتماعي، وقد تكون الفكرة منتجة اقتصاديا إذا شغل الطلبة في مشاريع تستنزف طاقاتهم في البناء بدلا من الشجار.
في نهضة سنغافورة، كانت الخدمة الإلزامية أساسا، إضافة إلى التعليم. ونحن هنا في مرحلة درء المخاطر أكثر من جلب المنافع. لقد دُمّر أكثر التعليم العالي بشكل منهجي بفعل سياسات الدولة، وفي المدى المنظور لا يمكن إعادة بنائه. الممكن هو التقليل من المخاطر الناجمة عن وجود الطلبة في الجامعات.
قد لا نحتاج موازنات وقوانين؛ ممكن إلغاء الفصل الصيفي المقبل، وفتح معسكرات تدريب لطلبة السنة الأخيرة. وستواجه التجربة عقبات وثغرات، لكنها تظل أقل خطورة من استمرار الوضع الراهن.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مع اعادة خدمة العلم (ابراهيم خلف/فينا)

    الجمعة 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2013.
    لا بد من اعادة خدمة العلم.لانه عنا جيل حدث ولا حرج بحاجه الى دعك.والاعتماد على النفس والانضباط .سبق وان خدمنا سنتين وتعلمنا معنى حب الوطن وتقدير واحترام الغير.وضع البلد متردي وبكل أجازه نلاحظ انها الأمور تسوء اكثر.في أوروبا انتهى زمن الحروب ولكن اغلب الدول ما زالت تفرض خدمة العلم للتهذيب نفوس الشباب أمل المستقبل
  • »مقال رائع..ولكن !!! (سلسبيل)

    الجمعة 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2013.
    كل ما قلته استاذ ياسر حقيقي وواقعي ومعبر عما نشعر به بل وما لمسته شخصيا في رحلة دراستي الطويلة مابين طلبة البكالوريوس والكارثة بين طلبة الماجستير...لكن الحقيقة انه ليس فقط لا توجد اردة للاصلاح والتغيير بل ان الارادة تتجه وتصر على ترك اوضاع المجتمع تسوء وتتدهور وتتدمر..أقصد ان كل ماشكوت منه في مقالك مطلوب منه ان يبقى حتى لايملك المجتمع مقومات النهوض ...فضلا عن طلب الحرية التي يجب ان لانجد وقتا للتفكير فيها!!!
  • »درس من سنغافورة (معتصم)

    الجمعة 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2013.
    ذكر لي احد زملاء العمل و هو بالمناسبة من سنغافورة ان احدى اهم أسباب نهضة سنغافورة هي في التعليم و احدى اهم هذه النقاط انك لا تستطيع ان ترسل أطفالا الى الجامعات. ولذلك يجب على الأطفال بعد إنهاء الثانوية ان يتحولوا الى رجال من خلال التدريب العسكري و العمل التطوعي الإجباري.
  • »السعودية (صبحي محمد داود)

    الجمعة 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2013.
    ان السبب الرئيسي وراء ظاهرة العنف في جامعاتنا الأردنية غياب العدالة والشفافية وزيادة ظاهرة الواسطة والمحسوبية سواء بالانتساب للجامعات أو التعيين بعد التخرج مما أدى الى انعدام الثقة والشعور بالأمان لدى أبنائنا الطلبة وزيادة الاحباط في نفوسهم حين يرون الذين سبقوهم من ألخريجين بسنوات عديدة من جميع التخصصات العلمية والأدبية دون استثناء جالسين في بيوتهم عاطلين عن العمل دون أدنى أمل في المستقبل الذي كانوا يحلمون به خلال فترة الدراسة الجامعية وموت أحلامهم الوردية بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة وزيادة نسبة البطالة نتيجة الخصخصة وسوء التخطيط لتأمين مستقبلهم مما انعكس سلباً على أبنائنا الطلاب وعلى نفوسهم وأدى الى اللامبالاة ,أصبح الوعظ والارشاد والتنظير من الأباء والمسؤولين دون قيمة تذكر وغير مقنعة لهم أمام الواقع الأليم وظبابية الرؤيا للمستقبل فنحن بحاجة الى عملية جراحية وليس الى مسكنات لاحياء الأمل في نفوسهم أي أننا بحاجة الى ثورةً بيضاء كما قال جلالة سيدنا أبو حسين أطال الله عمره .
  • »خدمة العلم (هيثم الرمحي)

    الجمعة 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2013.
    انا اوافق الكاتب في عملية الاصلاح ولكن ليس باعادة خدمة العلم ولا بالدورات الصيفية ولا بالصهر الاجتماعي الاصلاح يبدا من القاعدة وينتهي بالقمة
    لا بد من الاعادة الى الزمن القديم عندما كانت تدرس الحصة المكتبية والنشاط المهني للذكور والتدبير المنزلي للاناث يمكن الاستعاضة عنهم بماده او مادتين في الاسبوع وتكون هذه المادة اساسية للنجاح مثلها كمثل الرياضيات والعربية والدين, هذه المادة تدرس من الصف السادس الابتدائي وحتى التوجيهي , وتحتوي على النشاط الكسفي والتركيز على الاخلاق والانضباط واحترام القانون واللحمة الاجتماعية . اعادة النظر في المنح الدراسية بكافة انواعها بحيث لا يحصل عليها الطالب الى بعد الحصول على المقعد التنافسي .
  • »نعم ...احد الحلول السحرية (محمود سليمان شقاح)

    الجمعة 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2013.
    افات المجتمع تتفاقم وتكبر يوم بعد يوم بسبب نظام الفزعة والتخبط لترقيع المشكلة التي تطفوا على السطح من عنف مجتمعي وطلابي واتاوات وكلاشنات وسرقة نزيهة وديمقراطية وشفافة الى سرقة مؤسسات وخصصتها الى سرقة سيارات و.والقائمة تطول وتطول..."الثوب المرقع ما بدفي" الي بلبس فوتيك ما بسحل بنطلونه والواكس ما بخرب شعره. والفوتيك ما بخرج جبناء او بلطجيه ملثمين.
  • »ليس عندنا رجال دول (كريم معابرة)

    الجمعة 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2013.
    .. ما تطالب به يحتاج إلى رجال الوطن أكبر همهم. لا أريد ان اذكر أسامي واترحم على عدة رجال دولة سابقين فهذا لا ينفع. غريب ان يخلو بلد من رجال دولة وقانون كما يخلو الأردن الآن !