جمانة غنيمات

القاعدة المفقودة

تم نشره في السبت 12 تشرين الأول / أكتوبر 2013. 03:00 صباحاً

في محاربة الفقر، طالما كان الافتقاد إلى قاعدة بيانات متينة ومتكاملة، أحد أهم أسباب فشل السياسات الرسمية والمجتمعية للتخفيف من حجم المشكلة؛ بحكم تشتت الجهود، وعدم توجيهها لمن يستحق تبعا لأولويات تحددها الأرقام.
كثير من الجهود ارتطمت بعدم القدرة على الوصول إلى الفقراء لمساعدتهم، أو أُحبطت نتيجة ازدواجية المساعدة لذات الفقير الذي يُطرح اسمه من قبل أكثر من جهة تُعنى بالفقر.
إذ يوجد لدينا عشرات الجهات المعنية بمكافحة الفقر، لكل منها قاعدة البيانات الخاصة بها، فيما التنسيق والعمل المشترك بينها بالكاد موجودان! وكل هذه الجهات، للأسف، تعاني من أزمة ثقة مع المجتمعات المحلية التي تشك دوما في مصداقيتها وسياساتها.
البطالة وحلولها كانت أيضا ضحية من ضحايا نقص البيانات. فالمعلومات المتوفرة حول عدد العاطلين عن العمل متأرجحة، ونسب البطالة المعلنة موضع تشكيك دائم، لاسيما مع ازدياد أعداد خريجي الجامعات، وضعف قدرة الاقتصاد، وبالتحديد القطاع الخاص، على توليد فرص العمل.
أما دقة ما هو متوفر من إفصاحات وتصريحات حول العمالة الوافدة، من مختلف الجنسيات، فيمثل قصة أخرى! وكل التشوهات التي تعاني منها سوق العمل، وضعفها عن استيعاب العمالة الوطنية، مرتبطة بعدم توفر بيانات دقيقة حول ظاهرة العمالة الوافدة، والتي صارت عابرة للحكومات لدرجة تُشعر المرء بغياب سلطة الحكومات عليها، واستسلامها أمامها.
تكشف البيانات الرسمية أن مئات الآلاف من العمال الوافدين غير مرخصين؛ فلا يحملون تصاريح عمل، ويعملون بصورة غير شرعية. غالبية هؤلاء من المصريين الذين يزيد عدد غير المسجلين منهم على نصف مليون شخص، إضافة إلى عشرات الآلاف من عمالة المنازل الهاربة، أمام أعين الأجهزة المعنية.
تبعات غياب قاعدة البيانات، والتقصير في توفيرها، كانا أساساً لتفاقم العديد من المشكلات وعدم إطباق السيطرة عليها، ما خلق فجوة بين وضع الخطط والتطبيق. وهو الأمر الذي نجني خسائره اليوم؛ إذ لا تتوفر المعلومات المطلوبة لأي قطاع أو مشكلة بحاجة إلى حل.
غياب المعلومة وعدم توفرها إنما يعكسان ضعفَ الرغبة في العمل، أو عدمَ الجدية في إنجاز المهام، وتدنيا في الإنتاجية. وذلك يرتبط بشكل وثيق بكثرة تغيير الحكومات، والنظرة إلى الموقع العام كتشريف لا كتكليف. ولذلك ترى كثيرا من مسؤولينا حلّوا ورحلوا من دون أن يُحدثوا فرقا.
النقص أيضا ليس في الكفاءات البشرية، بل في استثمارها بشكل علمي وعملي، وتوحيد الجهود من أجل تجميع البيانات المشرذمة، بما يؤدي إلى إيجاد قاعدة بيانات وطنية، تكون أساسا متينا للبدء في عمل جاد يأتي بنتائج إيجابية يلمسها الناس.
كذلك، فإن المشكلة ليست في نقص الاستراتيجيات، بل في كثرتها! لكنْ بقيت الحلول المطروحة لكل المشاكل في إطار التنظير، بعيدا عن العمل الحقيقي. إذ يتوفر لكل عنوان سابق خطط وحلول كثيرة، غير أن تطبيقها لم يكن لينجح في ظل افتقاد قاعدة بيانات تؤشر إلى الخلل وتحدد موقعه.
فوضع الخطط بعيدا عن ربطها بمعلومات دقيقة، يبقي الشك محيطا بكل ما يتم فعله.
لتوفير المعلومات أهمية كبيرة؛ فهي أساس الحل، والحامية من الأخطاء، والرادة للفساد. لكن يبدو أن الحكومات، بكل وزرائها وطواقمها، لم تدرك بعد هذه الأهمية.

jumana.ghunaimat@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »العلاج (سليمان)

    السبت 12 تشرين الأول / أكتوبر 2013.
    علاج المشاكل الاجتماعية بدون بيانات وانعدام الثقة مثل علاج الامراض من قبل طبيب لايثق فية المريض وبدون فحوصات
  • »استقلالية الاحصاءات والبيانات وحمايتها (فادي)

    الجمعة 11 تشرين الأول / أكتوبر 2013.
    المشكلة أنه ليست هناك شفافية فيما يتعلق بالبيانات والاحصاءات المنشورة رسمياً أو المسربة شفوياً وبشكل مقصود حتى يتم تسخيرها لتبرير السياسات أو لدعم سياسات. أحد الأمثلة على ذلك هو عدد العراقيين في الأردن والذي جرى تضخيمه للحصول على معونات مباشرة إلى أن نشر تقرير ومسح FAFO في 2007، وتعرضت فافو لضغوطات وبقيت البيانات لفترة دون نشر، وللتوضيح أكثر وعلى سبيل المثال أرسل إلى الأردن 400 مليون دولار في 2007-2009 كمعونات من أجل العراقيين وخصوصاً الطلبة العراقيين الذي سمح لهم التسجيل في مدارسنا. يمكن الكاتبة قراءة تقرير مجلة MERIP المحترمة The Politics of Aid to Iraqi Refugees in Jordan. تقرير الفافو حول عدد العراقيين وخصائصهم منشور على موقعهم وعلى موقع دائرة الاحصاءات الأردنية. نحن في الأردن بحاجة إلى جهة مستقلة ومحمية بالقانون تعنى بالاحصاءات والبيانات.