دفيئات للتربية الإرهابية

تم نشره في السبت 12 تشرين الأول / أكتوبر 2013. 03:00 صباحاً

اعتقلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الأيام القليلة الماضية، 14 فتى يهوديا من أبناء المستوطنين في مدينة القدس المحتلة، تتراوح أعمارهم بين 13 و16 عاما. وقد اعترف هؤلاء بالقيام بسلسلة اعتداءات على الفلسطينيين وممتلكاتهم في المدينة، وجاهروا بأن الدافع هو كراهيتهم الكبيرة للعرب. ومواصفات جرائمهم فيها الكثير من الترهيب والإرهاب.
لكن، كيف من الممكن أن تصف ابن 13 عاما، غادر لتوه جيل الطفولة، بأنه إرهابي، حتى إن كان ابنا لمستوطنين؟! في الواقع أنه حينما نرى أين يتلقى هكذا فتية تعاليمهم وثقافتهم، ندرك تماما أن عائلاتهم أودعتهم في دفيئات تربي على الإرهاب.
بطبيعة الحال، لم نغرق في أي وهم بشأن هذه الاعتقالات؛ فقسم منهم لم يُمضِ ساعات في مقر الشرطة، وعاد إلى بيته بشروط مقيدة، فيما القسم الآخر غادر "المعتقل" في اليوم التالي. كما لا نتوقع الكثير من محاكمتهم، استناداً إلى تجربة تمتد على عشرات السنين. فإسرائيل تجد نفسها أحياناً في حالة حرج ما أمام الرأي العالمي بسبب جرائم المستوطنين الإرهابية، ولهذا نراها تدفع ضريبة كلامية أمام العالم، في محاولة بائسة لإثبات بدعة أنها "دولة قانون". لكن الجهات العالمية لا تلاحق إسرائيل بشأن كيفية متابعتها لتلك الجرائم والمجرمين، كما أشكال العقاب، إن وجد أصلا!
ارتكب هؤلاء الفتية سلسلة من الجرائم التي باتت تسمى في إسرائيل "شارة ثمن"، من قبيل التنكيل بالمواطنين الفلسطينيين وإهانتهم وضربهم في عرض الشارع، والاعتداء على الممتلكات وحرق السيارات بكثرة.. وغيرها من الجرائم التي باتت مشهدا شبه يومي في القدس والضفة الغربية المحتلة.
وقد حظيت قضية الفتيان العينية بتغطية إعلامية جزئية، إنما ليس بذاك القدر من الضجة. كما تركزت التغطية على الفتيان وحدهم، من دون تركيز على الخلفية التي أتوا منها، أو البحث في المؤسسات التي يتعلمون فيها، لأن في هذا ولوجا في جوانب تفضّل الحلبة الإسرائيلية عدم التطرق اليها.
فما يجمع هؤلاء الفتيان هو أنهم يتعلمون في معاهد دينية تابعة للتيار "الديني الصهيوني". وقسم كبير من هذه المعاهد، خاصة تلك التي في القدس وفي عدد من مستوطنات الضفة الغربية، خرّجت الكثير من أخطر وأشرس الإرهابيين؛ منهم من ارتكب العديد من جرائم قتل بحق الفلسطينيين، وحتى مجازر. ومن بعض هذه المعاهد صدرت فتاوى يهودية إرهابية، كما صدرت كتب إرشادية تجيز لليهود قتل العرب وحتى أطفالهم! مثل كتاب "شريعة الملك" الذي صدر قبل عدة سنوات، وأيده العديد من حاخامات المستوطنين الإرهابيين.
وتعمل هذه المعاهد تحت سمع وبصر المؤسسة الحاكمة في إسرائيل، وتتلقى تمويلا رسميا سخيا من دون ضوابط. وحتى حينما ظهرت وجهة نظر قانونية رسمية من جهاز النيابة العامة لوقف تمويل أحد هذه المعاهد، اختارت حكومة الاحتلال التغاضي عن القرار، وهي تستمر في تمويل هذا المعهد، كما تغض الطرف عن التمويل الإضافي الذي يحصل عليه من جهات خارجية.
هذا يعني أن قسما جديا من هذه المعاهد بات، مع السنين، يشكل دفيئات لرعاية ارهابيي المستقبل؛ تنمي على الكراهية "للغير"، وطبعا العرب بالأساس، فقط لكونهم عربا. كما تنمي على نفسية الغطرسة والاستعلاء، تحت مقولة "شعب الله المختار". ولهذا، فإن أي محاكمة حقيقية لأولئك الفتيان، يجب أن تكون محاكمة لمن لقنوهم وربوهم على هذه الكراهية.
ولا تكفي بطبيعة الحال محاكمة هذه المعاهد والحركات التي تديرها، بل إن من يتحمل المسؤولية الأساسية عن عمل هذه المعاهد هي المؤسسة الحاكمة الداعمة لهذه المعاهد.
إلا أن السؤال الأهم يبقى: من يُحاكم من؟ فالعنصرية تنخر في جميع أروقة الحكم في إسرائيل؛ من الأحزاب السياسية والهيئة التشريعية والحكومة، ومؤسسات الحكم، وصولا إلى جهازي النيابة والقضاء. وهؤلاء الفتية الأربعة عشر، ما هم  إلا نفر قليل جدا من جمهور واسع يعد بالآلاف وعشرات الآلاف، قادته يتغلغلون بقوة في السنوات الأخيرة في كل مؤسسات الحكم السياسية والعسكرية، وكل المؤشرات تدل على أن سيطرتهم مستقبلا ستكون أشد.

barhoum.jaraisi@alghad.jo

التعليق