علاء الدين أبو زينة

من حرب أكتوبر 73..!

تم نشره في الأحد 6 تشرين الأول / أكتوبر 2013. 02:00 صباحاً

مثل هذا اليوم قبل أربعين عاماً، السادس من تشرين الأول (أكتوبر) 1973، لم يكن عادياً بالنسبة للذين عايشوه. فجأة، قطعت الإذاعات برامجها وفاجأت الناس بما يشبه الحلم: جيوش مصر وسورية شرعت في حرب تحرير الأراضي العربية المحتلة. ومع البيانات العسكرية الأولى المنتصرة، حلّقت المعنويات واعتقد الناس بقرب تحقق المستحيل. وللأسف، لم يحدث المستحيل. ولا جدوى الآن من بحث طريقة إدارة تلك الحرب وما تمخضت عنه. لكنه لفتني فيها تفصيل منسيٌّ، نبهني إليه صديق.
كانت معجزة تلك الحرب، والتي أذهلت خبراء العالم العسكريين، هي نجاح الجيش المصري في عبور قناة السويس واجتياح "خط بارليف" الأسطوري. لكن الذي بقي في الظل إلى حد كبير، ولم أكن أعرفه أيضاً، هو الشخص الذي كان وراء الإنجاز العسكري: المنهدس المصري القبطي باقي زكي يوسف ياقوت، الذي غيّر الموازين العسكرية للحرب وغير نظريتها جذرياً، بفكرة.
حسب رواية ياقوت نفسه، فإنه عمل منتدباً من الجيش ليعمل في بناء السد العالي قبل أن يعود إلى الجيش بعد هزيمة 67 رئيساً لفرع المركبات في الجيش الثالث. وفي تجواله المستمر على ضفة القناة خلال أداء وظيفته، شاهد كيف يبني جيش العدو الصهيوني ساتراً ترابياً هائلاً على ضفة القناة الشرقية حتى يستحيل عبورها. وحسب قوله في مقابلة تلفزيونية، كان الساتر يرتفع يومياً حتى بلغ ارتفاعه أكثر من عشرين متراً بميل شبه عمودي، حوالي 80 درجة. ثم، ذات يوم في العام 69، جمع اللواء سعد زغلول ضباطه لدراسة الوضع العسكري، واستمع المهندس ياقوت الذي كان حاضراً إلى زملائه وهم يشرحون تكوين خط بارليف والساتر الترابي وما يمكن عمله إزاءه. وكانت تقديرات الخبراء العسكريين الروس تقول بأن تجاوز الساتر الترابي وتدميره مستحيل بالأسلحة التقليدية، وأنه يحتاج قنبلة ذرية، وأن خسائر الجيش المصري المتوقعة يمكن أن تصل إلى 20.000 جندي.
في لحظة، خطرت لياقوت فكرة، فرفع يده طالباً الإذن بالحديث. ولم يعتقد قائده بأن لديه ما يقوله في تلك المرحلة، وذكّره بأن عمله واقتراحاته، كقائد للمركبات، ستلزم في مرحلة لاحقة بعد هدم الساتر الترابي. لكن ياقوت قال: "حتكلم في الساتر الترابي". وبسط فكرته عن استخدام مضخات "ماصة كابسة" تُحمل على زوارق خفيفة، وتقصف الساتر الترابي بالمياه التي تسحبها من القنال، وشرح كيف أنهم استخدموا آلية مشابهة في بناء السد العالي. ولم يُهمل قائده اقتراحه، وإنما حمله إلى الضابط الأعلى فالأعلى حتى وصل إلى الرئيس جمال عبدالناصر نفسه. وفي كل مرة، كانوا يطلبون ياقوت ليبسط فكرته ويكتب تقاريره التي أصبحت تعامل كموضوع استراتيجي بالغ السرية. وجرى تجريب الفكرة عدة مرات، كانت آخرها في 27 كانون الثاني (يناير) 1972، على ساتر ترابي مشابه في جزيرة الملاح. والنتيجة: فتح 69 ثغرة في الساتر الترابي خلال ساعات من بدء حرب 73، واجتياحه بخسائر لم تزد على بضعة وستين جندياً.
عندما عرفت هذه التفاصيل عن تلك الحرب، خطر لي أن حيثياتها قامت على سؤال أساسيّ تمسّ حاجتنا إليه: "مَن عنده فكرة؟" وفي الحقيقة، لا تقتصر أهمية هذا السؤال وعمليته على مسائل الحرب، وإنما يصلح نهج عمل لأي شكل أو مستوى مؤسسي، من المشروعات الفردية والصغيرة إلى إدارة الدُّول. ففي التحصيل الأخير، لا بد أن يبدأ أي إنجاز بفكرة تدعم نفسها بمنطقها. ولكن، أين هو المسؤول الذي يستشير ويبادر إلى استدراج الأفكار؟
للمسألة علاقة بطبيعة العقل الاجتماعي السائد. وحسب ما نختبره في مناطقنا، فإن شكل العلاقات التراتبية لدينا يتخذ شكل السيل في اتجاه واحد. ليس هناك إيمان بجدوى التغذية الراجعة، وإنما إيمان بأحقيّة العقل "المسؤول" وعصمته وعدم حاجته إلى الاستشارة. ويبدأ هذا من الأسرة، فالمدرسة، فالجامعة، فعلاقات السلطات بالمواطنين. وهكذا، يتسبب الاستخفاف المسبق المتراكب في هدر عدد لا يحصى من الأفكار التي كان يُمكن أن تُحدث فرقاً لو طلبها أحد، أو بادر بعرضها أصحابها ولم تعامل بإهمال. ويتأمل المرء ما يمكن أن يَحدث لو طرح أحد، على المستوى الوطني، وبجدية، شعار: "مَن عنده فكرة؟"

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بطولات اضااعها السياسيون (شافيز)

    الأحد 6 تشرين الأول / أكتوبر 2013.
    نعم سيدي لم يكن يومآ عاديآ بالنسبه للجندي العربي المقدام لكن الذي امسك بزمام الامور السياسيه في ذلك الوقت (السادات)اضاع تضحيات هؤلاء الجنود الابطال وحول النصر الى هزيمه اجتماعيه واقتصاديه وعسكريه وسياسيه .
  • »النصر (فاست)

    الأحد 6 تشرين الأول / أكتوبر 2013.
    كل القادة الميدانيين تم تضليلهم و تلقوا اوامر عجيبة غريبة في 67 وغيرها من الحروب! دبابة للجيش العربي يقودها ضابط مخلص و بمساعدة بعض المقاومين في القدس أعجزت بني صهيون بمقدار الخسائر التي تكبدوها! و الله في الماضي و الحاضر و المستقبل نستطيع الفوز لكن نحن شعوب تخلت عن أهم عامل للنصر، الدين؟
  • »اقتراح يسر المواطن ولكن يغضب الحكومة (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    السبت 5 تشرين الأول / أكتوبر 2013.
    لم يذكر البته انذاك ،ولا اليوم ، عن فكرة المهندس المواطن العربي القبطي باقي ذكي يوسف ياقوت انه من وضع خطة العبور في مصر التي اقتحمت خط بارليف الأسطوري . . الممهم ان العمل انجز وحقق جيش مصر هزيمة اسرائيل واعجاب العالم كله . اما فكرة يا ولدي العبقري تطبيق من عنده فكرة لها صدى قوي بين المواطنين .ولكن على مستوى الحكومة فهي سترفض هذه المبادرة الفعلية الصحيحة . فأول فكرة تطرح انهاء عمر الحكومة الحالية .أنت يا ولدي قلت كلمتك ووضعت الحصان القوي أمام المركبة
  • »اذا ما توفرت ارادة القتال فان الامة لن تعدم الوسيلة لتحقيق النصر (د. هانى عبد الحميد)

    السبت 5 تشرين الأول / أكتوبر 2013.
    والا كيف يمكن ان ننتصر ونحن من قرر قبل غيرنا ومنذ الساعات الاولى للمعركة عام 1967 ما حصل فى حين اكد الخبراء العسكريون الغربيون ان لو ترك الامر للقادة الميدانيين لاختلفت نتيجة المعركة تماما وما حصل ذلك الانهيار. واستمرت حالة الثار مع العدو الصهيونى تتنامى حتى بدايات اكتوبر 73 وكانت القيادات السياسية والعسكرية التاريخية تستطيع ان تستخلص العبر فى يوم الكرامة 1968 ومعارك الاستنزاف على القناة عام 1969 وبطولات المقاومة الفذة فى تلك الفترة وتقرر ان لا عدو باغى يستطيع ان يقف فى وجه امة عربية عريقة توحدت قواها الرئيسة الفاعلة لرد العدوان وازالة العار الذى لحق بها وما كانت تستحقه. اما ما حصل بعد ذلك من اجهاض دور المقاتل العربي البطل فى دهاليز السياسة الدولية القذرة وبادارة المايسترو الصهيونى الشهير هنرى كيسنجر وجوقته فانه أشهر من ان يعرف. اما امتنا العربية الصابرة فلم تكن فى يوم من الايام غير قادرة على اجتراح المعجزات وتقديم أغلى التضحيات فى سبيل الخروج من حلكة الظلام الدامس الى ضياء نور الفجر المبشر وبشكل يبهر العدو قبل الصديق.